تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

25

في كتابه «مرآة الممالك» إلى أن أبدع أنواع الخزف كان مصدرها مدينتين من مدن الصين.

والمعروف أن كشف طريق رأس الرجا الصالح قضى على احتكار المسلمين التجارة مع الشرق الأقصى؛ إذ أفلح البرتغاليون في القضاء على السيادة البحرية التي كانت للمسلمين في المحيط، ثم قبض الهولنديون ومن بعدهم الإنجليز على زمام التجارة مع البحار الشرقية.

ومما فعله الشاه عباس الصفوي للنهضة بصناعة الخزف في إيران أن أحضر كثيرا من الخزفيين الصينيين مع أسراتهم إلى مملكته؛ لينشروا فيها تلك الصناعة حتى يمكن إصدار الخزف والصيني إلى أوروبا، فتحصل إيران على الأرباح الطائلة التي كانت تتدفق إلى الشرق الأقصى، وقد استقر هؤلاء الفنانون في مدينة أصفهان.

وكان تجار التحف الصينية ينزلون مدينة أردبيل في العصر الصفوي، كما قدم إلى شتى المدن الصناعية الإيرانية خزفيون من الصين يعرضون خدماتهم على أصحاب المصانع الفنية فيها ويساهمون في النهضة بصناعة الخزف الإيراني.

وروى بعض الرحالة أن تاجرين صينيين كان لهما حانوت لبيع الخزف الصيني بمدينة أردبيل في بداية القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي).

26

ولا يفوتنا قبل ختام الحديث عن التحف الصينية في العالم الإسلامي أن المسلمين كانوا يستوردون من الصين أنواع الورق الصيني الفاخر، مما استعملوه في بعض مخطوطاتهم الثمينة، ومن المعروف أن أتباع الحلاج في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) كانت لديهم مخطوطات من الورق الصيني الجميل مكتوب بعضها بمداد ذهبي وذات جلود لطيفة ومحفوظة في نسيج من الحرير.

27

بقي أن نشير إلى أتباع المذهب المانوي؛ فقد كانوا صلة بين الشرقين الأقصى والأدنى، وقد كان الخلفاء يضطهدونهم كما فعل الأكاسرة الساسانيون من قبلهم، وفر المانويون من هذا الاضطهاد في القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي)، واستقروا في إقليم تركستان وغيره من أقاليم آسيا الوسطى.

والمعروف أن ماني بشر بدين جديد في إيران إبان القرن الثالث الميلادي، وكان مصورا ماهرا، كما كان للتصوير عنده وعند أتباعه شأن كبير في توضيح كتبهم الدينية، وتدل المصادر الأدبية والتاريخية في الشرق والغرب على أن أتباعه كانت لديهم مخطوطات مصورة فاخرة ومحفوظة في جلود فنية ثمينة، ولكن اضطهاد هؤلاء القوم قضى على مخلفاتهم الفنية، حتى إننا لم نكن نعرف عنها شيئا ماديا إلى سنة 1904 حين كشف الأستاذان فون لوكوك

Von le Coq

وجرينفيدل

Grünwedel

بعض صور مانوية في أطلال مدينة من أعمال «طرفان» في بلاد التركستان الشرقية.

28

وقد كانت طرفان بين عامي 134 و225 بعد الهجرة (760-840م) عاصمة لدولة الأويغور التركية الجنس والمانوية المذهب،

29

وعثر فون لوكوك على صور حائطية على جدران بناء يظن أنه كان معبدا مانويا، وتشهد هذه الصور كلها بالعلاقة الوثيقة بين الفنون التي ازدهرت في آسيا الوسطى والفنون الصينية نفسها؛ مما يحملنا على القول بأن أتباع المذهب المانوي ساهموا في نقل الأساليب الفنية الصينية إلى شرق العالم الإسلامي.

على أن بعض مؤرخي الفنون يميلون إلى القول بأن آسيا الوسطى لم يكن لها أي أثر على الفنون الإسلامية؛ لأن هذا الإقليم لم يكن له فن خاص، بل كان يأخذ كل أساليبه الفنية عن الهند والصين وإيران

30

ونحن لا ننكر هذه الحقيقة الأخيرة ، ولكننا نعتقد أن آسيا الوسطى كانت واسطة في نقل كثير من الأساليب الفنية الصينية إلى إيران.

| إعجاب المسلمين بالتحف الفنية الصينية

عرفنا إذن أن العلاقة بين الشرقين الأدنى والأقصى كانت وثيقة في العصر الإسلامي، ورأينا أن العالم الإسلامي الشرقي عرف الفنانين الصينيين عن كثب، وأتيح له أن يرى التحف الصينية منتشرة في ربوعه، ونريد الآن أن نستعرض بعض النصوص الأدبية والتاريخية التي تشهد بأن المسلمين كانوا يعترفون لرجال الفن في الصين بالأسبقية في ميدان الفنون، كما كانوا يعجبون بالتحف الفنية الصينية أشد إعجاب.

الصين وفنون الإسلام · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الصين وفنون الإسلامص ٨