تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويمكننا أن نقول بوجه عام: إن المصورين الإيرانيين في العصر الإسلامي كانوا يتخذون التصوير الصيني مثالا يحتذونه، كما يبدو من المصادر التاريخية والأدبية والإيرانية، وكما يظهر من بدائع الآثار الفنية الإيرانية التي وصلتنا. وبلغ أثر الصينيين في التصوير الإيراني أقصى مداه في القرنين الثامن والتاسع بعد الهجرة (الرابع عشر والخامس عشر بعد الميلاد).

وكانت زخارف جلود الكتب إلى القرن التاسع الهجري (15م) قوامها رسوم هندسية أو رسوم زهور ونبات بعيدة عن أصولها الطبيعية؛ ولكن ظهر فيها بعد ذلك أثر الأساليب الفنية الصينية، وقربت الزخارف من الطبيعة، وأصابت شيئا من الحركة والحياة ودخلها أنواع شتى من رسوم الحيوان،

5

كما دخلتها رسوم الحيوانات الخرافية الصينية.

أما صناعة الخزف فقد بدأت في الازدهار في العالم الإسلامي منذ نهاية القرن الثاني بعد الهجرة، وذلك بتأثير الأساليب الفنية التي أخذها الشرق الأدنى عن الصين في تلك الصناعة. والحق أن أثر الصين في صناعة الخزف الإيراني كان ظاهرا جدا ولا سيما في أشكال بعض الأواني وزخارفها.

6

وفي القرنين السابع والثامن بعد الهجرة (13-14م) زاد تأثر المصانع الإيرانية بالأساليب الصينية في زخرفة المنسوجات؛ بسبب ازدياد الوارد من الأقمشة الصينية واتساع تجارة إيران مع الشرق، ثم بسبب غزوات المغول وقدوم كثيرين من النساجين الصينيين إلى إيران. وقد عرفنا أن جاليات إسلامية نمت في الصين حينئذ واشتغلت بنسج الأقمشة الحريرية التي كانت تصدر إلى أنحاء الشرق الإسلامي، وأقبل النساجون الإيرانيون على استعمال الموضوعات الزخرفية الصينية كالتنين والعنقاء وما إلى ذلك من الحيوانات الخرافية، ثم زهرة اللوتس

7

وعود الصليب (الفاوانيا) ورسوم السحب الصينية، وغير هذه الموضوعات مما امتازت به المنسوجات الصينية.

وفي عصر تيمور وخلفائه زاد وجود زهرة اللوتس في زخارف المنسوجات، كما زادت الدقة في رسم الموضوعات الزخرفية عموما، ولا سيما البط الذي استخدم كثيرا في زخارف ذلك العصر، وفي العصر الصفوي اشترك الخزفيون الصينيون بإيران في «تصميم» زخارف المنسوجات، واستعمل النساجون الإيرانيون - ولا سيما في الديباج والمخمل - الموضوعات الزخرفية الصينية، ونسجوا على منوال الصينيين في مراعاة تكرار الزخرفة على المنسوجات في اتجاه مائل، تجنبا لما اعتادته الأعين من رؤية الزخارف مكررة في اتجاه عمودي.

8 •••

بقي أن نشير إلى ما يعرفه الإخصائيون في الفنون عن سهولة اجتماع الفن الإيراني بالفن الصيني. أجل، إن تأثر الفنانين في إيران بالأساليب الفنية الصينية لم يقض على الفن الإيراني أو يسوقه إلى الاضمحلال، ولم يكن ثورة وخيمة العاقبة كما كان تأثرهم بالأساليب الفنية الغربية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر بعد الهجرة (17-18م).

كيف كان التأثر بالفنون الصينية سهلا بينما كان التأثر بالفنون الغربية وبالا على الفن الإسلامي؟ مع أن إيران امتازت منذ قديم الزمان بقدرتها العجيبة في أخذ العناصر الغريبة عنها، ثم هضمها وتمثيلها، حتى تبدو بعد ذلك كأنها جزء أصلي منها.

الحق أن فنون الإسلام وفنون الشرق الأقصى تشترك ويشبه بعضها بعضا في أنها تخالف الفن الإغريقي والفنون التي قامت على أساسه، والتي كان مثلها الأعلى صدق تمثيل الطبيعة، واحترام قوانين المنظور، والعمل على الوصول إلى فكرة التجسيم، والتعبير عن الحجم في الصورة.

9

فالتصوير الإيراني مثلا هو إحدى مدارس التصوير الآسيوية الكبيرة، وهو مثلها كلها، يجهل استخدام الظل والضوء ولا يرمي كالتصوير الأوروبي إلى رسم الأشياء كما تبدو للعين تماما، وإذا نظرنا إلى مدارس التصوير الكبرى في القرنين الخامس عشر والسادس عشر بعد الميلاد، وجدنا التصوير الأوروبي عامة يعنى بجسم الإنسان كرمز شهواته وأحزانه وانتصاراته ومشاعره، ولا يكاد يعنى بسطح الأرض الجميل من أرض وزهور وأشجار وجبال، أما مدرسة الشرق الأقصى فعنيت بعناصر الطبيعة وبالمناظر الطبيعية، وجعلت للإنسان مكانه بينها.

الصين وفنون الإسلام · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الصين وفنون الإسلامص ٢١