تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقصارى القول أن مصر كانت لها المكانة الأولى في العالم الإسلامي في الوقت الذي زارها فيه ناصر خسرو، وأن العراق لم يستطع بعد ذلك أن ينتزع منها تلك المكانة إلا بفضل الأمراء السلاجقة، الذين آلت إليهم مقاليد الأمور فيه، والذين امتدت فتوحاتهم حتى أزالوا سلطان الفاطميين عن سورية.

13

| الشدة العظمى

على أن مصر لم تلبث بعد زيارة ناصر خسرو أن دب إليها الضعف، وكان أن قبض على أزمة الحكم الوزير اليازوري،

1

فأبعد خطر المجاعة؛ ولكنه لم يفلح في استئصال الداء من أساسه، وكان عزله وقتله سنة (450ه/1058م) إيذانا بقيام الفوضى، وبدء المجاعة، وانتشار الوباء، وتعاقبت الوزارات في الحكم ؛ دون أن يكون لها من النفوذ ما تكبح به الجند من الترك والبربر والسودان، فقاموا بكثير من أعمال السلب والنهب، والعنف والشدة، وكانت أم الخليفة

2

تتخذ الجنود السودانية عونا لها، وأداة لفرض إرادتها، وكان الجنود الأتراك يأخذون عليها هذا،

3

واستطاعوا أن يزيدوا نفوذهم حتى تمكنوا برئاسة زعيمهم ناصر الدولة من طرد غرمائهم من السودانيين إلى الصعيد، بعد أن هزموهم سنة (454ه/1062م) في واقعة كوم الريش، فعاثوا فيه فسادا وخلا الجو للترك، فقاموا بشيء كثير من أعمال العنف والشدة، ونهبوا قصور الخليفة والمخلصين له، وأخذوا ما كان فيها من تحف فنية، وأحجار كريمة، وبددوا ما كانت تفخر به من مخطوطات ثمينة.

والعجيب أن المقريزي يذكر ما يشعر بأن الحكومة كانت تغض الطرف عما ينهبه الجند من قصور الخليفة؛ لئلا يمتد شرهم إلى الشعب، فيزيدونه بؤسا وشقاء، فلم تعترضه الدولة، ولا التفتت إلى قدر الكنوز التي كانوا ينهبونها؛ بل جعلتها - على حد قول المقريزي - هي وغيرها فداء لأموال المسلمين، وحفظا له في منازلهم.

4

ولعل الحكومة كانت تبغي بسكوتها هذا أن تنفي شر ثورة الشعب، وقيام حرب أهلية، تهلك الحرث والنسل.

ولكن مصر كان مقضيا عليها بالبؤس في ذلك الحين، وانقطعت عن أسواق القاهرة المواد الغذائية التي كانت ترد إليها من الأقاليم، وغدت منعزلة عن بقية أجزاء البلاد؛ إذ بينما كانت السيادة فيها للجند التركية، كان الصعيد في يد السودانيين، وكانت الإسكندرية وجزء كبير من الدلتا في يد فريق آخر من الجند التركية تساعدهم قبائل من العرب والبربر،

5

فقلت الأقوات، وعلت الأسعار؛

6

فصارت البيضة بدينار، والرغيف بخمسة عشر دينارا،

7

وحتى الخيل، والبغال، والقطط، والكلاب ارتفعت أثمانها، ولم يكن يصل إلى أكلها إلا أهل السعة والغنى، وما لبثت حلي النساء ونفائسهن أن أصبحت زهيدة القيمة، يعرضنها للبيع فلا يتقدم إلى شرائها أحد، وكذلك ذهب ما في اصطبلات الخليفة من خيل كريمة، وأقبل الأمراء وكبار رجال الدولة على أحقر الأعمال في سبيل الحصول على قوتهم اليومي.

وزادت المسغبة حتى اضطر سكان القاهرة إلى أكل لحم الإنسان ، وصار يخطف بعضهم بعضا من الطرقات بواسطة خطاطيف يدلونها من النوافذ، ثم أصبح القصابون يبيعون لحم الإنسان في حوانيتهم، وجرى المؤرخون المسلمون على تسمية تلك السنين بالشدة العظمى؛

8

لما كان فيها من مصائب أذلت القاهرة، وأفقدت المستنصر كل شيء؛ بعد أن فرت أمه وزوجته وبناته إلى بغداد وسورية هربا من الطاعون، ونهب الجند والغوغاء قصره وممتلكاته، فصارت بنت أحد الفقهاء تجري عليه رغيفين كل يوم يسد بهما رمقه.

9

| مصادر ما نعرفه عن كنوز الفاطميين

إذا نحن أردنا أن نتحدث عن قصور الخلفاء الفاطميين وما كان فيها من كنوز فنية، فإن مرجعنا الأساسي في هذا ما كتبه المؤرخون المصريون ابن ميسر وتقي الدين المقريزي.

أما ابن ميسر فهو محمد بن علي بن يوسف بن جلب راغب المتوفى سنة (677ه/1278م). وفي المكتبة الأهلية بباريس مخطوط به جزء من كتاب له اسمه «أخبار مصر» وقد وقف على نشره الأستاذ هنري ماسيه

الكنوز الفاطمية · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الكنوز الفاطميةص ٦