تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

158

ويرى الدكتور لام أن هذا يتفق وما أسفر عليه فحصه بالمنظار المكبر عددا كبيرا من قطع النسيج ذات الكتابات التي يتراوح تاريخها بين القرن التاسع والقرن الحادي عشر الميلاديين، والتي كشف أغلبها في حفائر دار الآثار العربية من جهة البساتين شرقي القاهرة؛ فإن هذا الفحص جعله يذهب إلى أن أغلب المنسوجات التي استوردت إلى مصر في المدة المذكورة كانت من مواد غير الكتان، والقطع التي قام بفحصها كلها ظهر أنها من القطن، وبعضها له لحمة من الحرير، وبينها عدد قليل من الحرير غير المصبوغ.

ومهما يكن من شيء فإنها كلها من صناعة إيران أو العراق أو اليمن، كما يظهر من الأسماء التي ترى عليها: مرو أو نيسابور أو مدينة السلام (بغداد) أو صنعا. ومن ناحية أخرى فإن لام

Lamm

يقرر أن جميع القطع التي فحصها والتي تدل كتاباتها على أنها صنعت في طراز بالقطر المصري أو تشبه القطع التي ثبت أنها صنعت في مصر، نقول: إنه يقرر أن هذه القطع جميعها مصنوعة من الكتان؛

159

ولكنه يذكر في الوقت نفسه أنه لا يستطيع أن يؤكد أن القطن لم يكن معروفا في مصر قبل العصر المذكور

160

أو في القرون التي سبقته؛ فإن المصادر التاريخية تذكر أن قدماء المصريين كانوا يعرفون القطن،

161

وأن توران شاه حين أرسله أخوه صلاح الدين سنة (573 / 1173م) لإخضاع الثورات في إقليم قوص وأسوان أفلح في الاستيلاء على أبريم في بلاد النوبة، ووجد فيها كمية من القطن حملها إلى قوص وباعها بثمن كبير.

162

بينما نعرف أن الكتان كان من المحاصيل الرئيسية في العصور الوسطى بمصر وكازرون (من أعمال إقليم فارس بإيران)، وتذكر لنا بعض النصوص التي ترجع إلى القرن الرابع الهجري (العاشر) أن كازرون كانت تصدر المنسوجات الكتانية، وكانت تعرف باسم دمياط فارس.

163

وأما أشهر القطع التي تنسب إلى طراز بلرمو بصقلية، فهي لا ريب عباءة التتويج التي نسجت في عاصمة صقلية سنة (528ه/1133م) أي: في حكم روجر الثاني ملك صقلية، وهي أرجوانية اللون على شكل غفارة (حرملة) كنسية، وفي وسطها رسم نخلة تقسمها قسمين، كل منهما يمثل ربع دائرة، منسوج فيه بخطوط الذهب واللآلئ رسم أسد ينقض على جمل ليفترسه،

164

وفي العباءة كنار منسوج فيه بالخيوط الذهبية الكتابة الآتي نصها:

مما عمل للخزانة الملكية المعمورة بالسعد والإجلال والمجد والكمال والطول والإفضال والقبول والإقبال والسماحة والجلال والفخر والجمال وبلوغ الأماني والآمال وطيب الأيام والليال بلا زوال ولا انتقال بالعز والدعاية والحفظ والحماية والسعد والسلامة والنصر والكفاية بمدينة صقلية سنة ثمان وعشرين وخمسمائة.

165

ولا حجة بنا إلى أن نقول: إن هذه العباءة تحير الناظرين بعظمة زخرفتها وجلال مظهرها وجمال نسجها. ولا غرو أن وقع عليها الاختيار لزيادة أبهة التتويج منذ قدم بها هنري السادس إلى ألمانيا بعد تتويجه في بلرمو.

ومهما يكن من شيء فإن نسبة كثير من المنسوجات إلى صقلية أمر لا يزال موضعا للجدل، ولا سيما فيما يراد إرجاعه إلى العصر الإسلامي البحت؛ إذ يذكر البعض ما جاء في بعض المصادر التاريخية من أن أميرا من صقلية تحدث عن أقمشة استولى عليها الصقليون في سفينة سنة (975) ميلادية، فقال: إنها أحسن نسجا من الأقمشة الصقلية. كما أن أميرا مسلما في بلرمو أهدى في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري (الحادي عشر) إلى أحد الأمراء المسيحيين أقمشة إسبانية وليست صقلية. وقد يستنبط من الروايتين أن الأقمشة الصقلية لم تكن بلغت حتى أواخر القرن الخامس (الحادي عشر) ما بلغته بعد ذلك من الجمال والإتقان.

166

ومن المنسوجات الشهيرة التي ساد الجدل بشأنها حينا من الزمن قطعة حريرية محفوظة في كنيسة سانت أتيين دي شينون

Saint-Etienne de Chinon

الكنوز الفاطمية · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الكنوز الفاطميةص ٤٤