تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد أن عبروا أبوابا عديدة أخرى، وساروا في تعاريج كثيرة؛ كانوا يرون فيها أشياء جديدة تزيدهم دهشة وإعجابا، وصل الفرنج إلى القصر الكبير، حيث يقطن الخليفة، وفاق هذا القصر كل ما رأوه قبل ذلك، وكانت أفنيته تفيض بالمحاربين المسلمين متقلدين أسلحتهم، وعليهم الزرد والدروع، تلمع بالذهب والفضة، وعليهم سيماء الافتخار بما كانوا يحرسون من الكنوز، وأدخل المبعوثون في قاعة واسعة؛ تقسمها ستارة كبيرة من خيوط الذهب والحرير المختلف الألوان، وعليها رسوم الحيوان والطيور وبعض صور آدمية، وكانت تلمع بما عليها من الياقوت والزمرد والأحجار النفيسة، ولم يكن في هذه القاعة أحد؛ لكن شاور خر راكعا فور دخوله، ثم نهض واقفا، ثم قبل الأرض ثانية، وخلع السيف الذي كان يلبسه في عنقه؛ ثم خر ساجدا مرة ثالثة في ذلة وخشوع كأنه يسجد لله، وارتفعت الحبال فجأة، وانكشفت الستارة الحريرية الذهبية بسرعة البرق، كأنها ملاءة خفيفة وظهر الخليفة الطفل (السلطان العاضد) لأعين الفرنج المبعوثين، وكان على وجه هذا الأمير نقاب يخفيه تماما، وهو جالس على عرش من الذهب مرصع بالجواهر والأحجار الثمينة.»

ثم إن هناك شيئا أخر يشهد بأبهة الحياة الاجتماعية عند الخلفاء والوزراء في آخر العصر الفاطمي، ونقصد بذلك ما جاء على لسان بعض شعرائهم، مثال ذلك: القصيدة التي قالها عمارة اليمني

19

يصف دارا بناها الصالح طلائع بن رزيك وزير الخليفة الفائز الفاطمي ، ومنها الأبيات الآتية التي تدل على إبداع النقوش في تلك الدار:

أنشأت فيها للعيون بدائعا

دقت فأذهل حسنها من أبصرا

فمن الرخام مسيرا ومسهما

ومنمنما ومدرهما ومدنرا

قد كان منظرها بهيا رائقا

فجعلتها بالوشي أبهى منظرا

وسقيت من ذوب النضار سقوفها

حتى يكاد نضارها أن يقطرا

ألبستها بيض الستور وحمرها

فأتت كزهر الورد أبيض أحمرا

لم يبق نوع صامت أو ناطق

إلا غدا فيه الجميع مصورا

فيها حدائق لم تجدها ديمة

كلا ولا نبتت على وجه الثرى

لم يبد فيها الروض إلا مزهرا

والنخل والرمان إلا مثمرا

والطير مذ وقعت على أغصانها

وثمارها لم تستطع أن تنقرا

وبها من الحيوان كل مشبه

لبس الحرير العبقري مصورا

لا تعدم الأبصار بين مروجها

ليثا ولا ظبيا بوجرة

20

أعفرا

أنست نوافر وحشها لسباعها

فظباؤها لا تتقي أسد الشرى

21

وكأن صولتك المخيفة أمنت

أسرابها ألا تخاف فتذعرا

وبها زرافات كأن رقابها

في الطول ألوية تؤم العسكرا

22

| تعليق على وصف المقريزي خزائن الفاطميين

ونحن حين نفرغ الآن من إيجاز ما جاء في خطط المقريزي وغيرها من كتب التاريخ عن وصف كنوز المستنصر، لا يسعنا إلا أن نلاحظ ما في حديث المقريزي من دقة وإطناب يدلان على أنه استعان - كما استعان الذين نقل عنهم - بأقوال خبراء ماهرين في الصناعة لهم كفاية في هذا الميدان ولهم اتصال بما يصفونه، ولا غرو فإن هذا الوصف يذكرنا بالبيانات الشاملة

inventaires

التي كانت تكتب بعد عصر النهضة في أوروبا عن المجموعات التي كان يمتلكها الأمراء والنبلاء والأثرياء من تحف وعجائب.

ولكن وصف المقريزي قد تظهر فيه مبالغة لا ندهش لها من مؤرخ عربي في عصره؛ بيد أن هذا الوصف في مجموعه صحيح إلى حد كبير، ونحن إن حسبنا حساب ما فيه من المغالاة والمبالغة، بقي لنا شيء كثير، يكفي لأن يكشف لنا عن ثروة البلاد في هذا العصر، وعن ازدهار الصناعات والفنون فيه، ويثبت لنا صحة ذلك كله القليل الذي وصل إلينا من التحف الفاطمية وما نعرفه عن الفنون الفرعية في عصر الفواطم، كما سنرى في القسم الثاني من هذا البحث.

وفضلا عن ذلك فإن هناك نصوصا تاريخية أخرى تدل على شغف الخلفاء الفاطميين بجمع التحف والآثار، والمعروف أن الخليفة الظاهر كان شديد الاتصال بأبي سعد التستري

1

تاجر التحف الثمينة والآثار، وأن هذا أهدى إليه أمة له، أنجب منها الخليفة الظاهر ابنه المستنصر بالله،

الكنوز الفاطمية · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الكنوز الفاطميةص ٢٤