119
وقد جاء في كتاب الذخائر والتحف أن الثوار أخرجوا من هذه الخزائن صناديق سروج محلاة بالفضة، وجد على صندوق منها: «الثامن والتسعون والثلاثمائة»؛ مما يجعلنا نظن أنها كانت تحمل أرقاما متسلسلة، وأنها كانت لا تقل عن ثمانية وتسعين وثلاثمائة.
وكان ثمن بعض السروج المحفوظة في الخزانة يتراوح بين ألف دينار وسبعة آلاف، وكان أقل ما فيها قيمة أحسن مما يمتلكه سائر الأفراد، وكان لكثير من أرباب الرتب ورجال الحاشية حق استعمال هذه السروج؛ إلا ما كان منها غالي القيمة، وجعل لركاب الخليفة خاصة.
وأما العمال والصناع الذين كانوا ملحقين بالخزانة، يدأبون على العمل فيها، فقد كان عددهم كبيرا؛ من صاغة وخرازين ومركبين.
وبعد فوات الشدة العظمى عاد إلى هذه الخزانة - كسائر الخزائن الفاطمية - بعض أبهتها، وجمع الخلفاء فيها عددا كبيرا من السروج النفيسة، منها نوع أمر بصنعه الآمر بأحكام الله سنة (495-524ه/1101-1130م) جعل قرابيصه
120
مجوفة، وبطنها بصفائح من قصدير؛ ليجعل فيها الماء، وجعل لها فما فيه صفارة، فإذا دعت الحاجة شرب منها الفارس، وكان كل سرج منها يسع سبعة أرطال ماء.
121
ومهما يكن من شيء فإن العرب كانوا يعنون بالركوب والصيد عناية فائقة؛ وكان السرج أهم أدوات الركوب، ولم تكن خزانة السروج عند الفواطم وقفا على ما يختصون به من السروج المغشاة بالذهب واللجم المطلية بالذهب والمحلاة جوانبها بالفضة، والكنابيش
122
والمهاميز من الذهب أو الفضة أو الحديد المطلي بالذهب أو الفضة؛ بل كان فيها من كل تلك الأدوات أنواع تقرب من التي اختص بها الخليفة، وأنواع لأرباب الرتب العالية من حشمة وأتباعه، وأنواع دون ذلك تعار إلى عامة الخدم والأتباع في أيام المواكب والاحتفالات.
123
وقد كان نظام خزائن السروج الفاطمية دقيقا، وكانت محتوياتها تجرد في بعض المواسم فيظهر ما ينقص منها، ويلزم عمالها بإحضاره أو دفع قيمته.
وكان الخليفة يزورها، فيطوف فيها من غير جلوس، ويعطي العامل عليها أو «حاميها» عشرين دينارا لتوزيعها على المستخدمين. ويروى أن الخليفة الحافظ لدين الله احتاج يوما إلى شيء فيها، فجاء إليها مع الحامي فوجد الشاهد
124
غير حاضر، ووجد ختمه عليها فرجع إلى مكانه وقال: «لا يفك ختم العدل إلا هو ونحن نعود في وقت حضوره.»
ومما يذكره المقريزي في الكلام عن خزانة السلاح أن أول من ركب أعيان دولته على خيوله بأدوات من الذهب في المواسم هو العزيز بالله، وليس هذا بمستغرب من هذا الخليفة الذي يؤثر عنه أنه قال: «يا عم! أحب أن أرى النعم عند الناس ظاهرة، وأرى عليهم الذهب والفضة والجواهر، ولهم الخيل
125
واللباس والضياع والعقار، وأن يكون ذلك كله من عندي.»
126
ولا يسعنا أن نختم الكلام عن خزانة السروج دون أن نشير إلى أن مصر كانت مشهورة منذ الفتح الإسلامي بصناعة أجلال الخيل، حتى كانت هذه الأدوات مما يرسله العمال إلى الخلفاء في حاضرة القيصرية الإسلامية. وقد كتب ابن إياس في هذا الصدد: «وكانت الخلفاء تشترط على عمال مصر في تقليدهم الخيل العربية، والأثواب الدبيقية شغل تنيس، والمقاطع الشرب الإسكندرانية، والطرز الصعيدية، وأجلال الخيل؛ ويشترط عليهم ضيافة العسل النحل المصري من عسل بنها، وتشترط عليهم البغال والحمير وغير ذلك من الأصناف التي لا توجد إلا بمصر.»
127
خزائن الخيم
نقل المقريزي عن كتاب الذخائر والتحف أن الثوار أخرجوا من خزائن الخيم عددا كبيرا جدا من أنواعها المختلفة، مصنوعة من أجمل أنواع النسيج الدبيقي، والمخمل، والخسرواني، والديباج الملكي، والأرمني، والبهنساوي، والكردواني، «ومنها المفيل، والمسبع، والمخيل، والمطوس، والمطير، وغير ذلك من سائر الوحوش، والطير والآدميين من سائر الأشكال والصور البديعة» أي: ما كانت تزينه رسوم السباع والخيل والطواويس وسائر الوحوش والطيور، فضلا عن المحلى بالصور الآدمية الجميلة وبالنقوش النباتية والهندسية الرائعة، وكل ذلك يذكر بخيمة سيف الدولة التي وصفها المتنبي في أبيات سنأتي بها في القسم الثاني من هذا الكتاب.