8 •••
بقي علينا في ختام هذا الفصل أن نشير إلى ميزة في الزخارف الإيرانية في العصر الإسلامي، بل في الفنون الإسلامية عامة، وهي أن الأساليب الفنية الإسلامية لم تعد تحمل إلى حد كبير طابع الملك والأمير والسلطان، كما كانت الفنون الإيرانية في العصور القديمة، ولم تعد مظهرا من مظاهر الدين والعبادة كما كانت تلك الفنون نفسها وكما كان الفن المصري القديم، وإنما أصبحت في معظم الأحيان فردية وشعبية ودنيوية،
9
ولكن الطراز الإيراني في الإسلام احتفظ بقسط من ذلك الأسلوب القديم أكبر مما احتفظت به سائر الطرز الفنية الإسلامية، التي لم تتأثر بما كان للملك في إيران القديمة من مكانة شبه إلهية.
| تأثير الفن الإيراني الإسلامي على الفنون الأخرى
لسنا نريد هنا أن نتحدث عما كان للفنون الإيرانية من شأن عظيم في العصور القديمة، وعما نقلته عنها سائر الفنون قبل الإسلام؛ فإن هذا ميدان واسع لسنا نفيد منه في هذا المقام إلا أن إيران كانت منذ القدم مصدرا لكثير من الأساليب الفنية التي نقلتها المدنيات الأخرى، وأن انتشار الفن الإيراني لم يعادله أو يفقه إلا انتشار الفن الإغريقي، وأن العلاقة بين إيران وبيزنطة كان لها في ميدان الفنون صدى عظيم الشأن.
والحق أن إيران لم تفقد في العصر الإسلامي هذه المكانة، ولا سيما في صناعة المنسوجات، ولم يكن الإيرانيون أساتذة الفن للأقاليم التي خضعت لهم سياسيا فحسب، بل امتد تأثيرهم إلى مصر والشام وصقلية وبعض الأقطار الأوروبية.
أما الأقاليم التي كانت خاضعة لحكمهم حينا من الزمان، والتي طبعت الفنون فيها بطابع إيراني ظاهر، فأهمها بلاد القوقاز، التي سادت فيها الثقافة الإيرانية على الرغم من الأجناس المختلفة التي كانت تسكنها. والواقع أن السجاد والتحف المعدنية والخزفية والقاشاني، وما إلى ذلك من الآثار الفنية التي كانت تصنع في القوقاز، لا تختلف كثيرا عن منتجات إيران، وقد يصعب تمييزها منها على غير ذوي الخبرة في الفنون الإسلامية. ولم يكن هذا التأثير الإيراني في الأساليب الفنية في القوقاز ملموسا في التحف فحسب،
1
بل كانت بعض العمائر القوقازية تشهد بامتداد الأساليب المعمارية الإيرانية إلى تلك البلاد. وخير مثال على ذلك كله قصر الخان في مدينة باكو وقد شيد في القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي)، ثم لوحات القاشاني التي كانت تزين بها جدران العمائر ولا سيما المساجد، فضلا عن التحف المعدنية التي اشتهرت بصناعتها بلاد القوقاز، والتي لم تكن تختلف كثيرا عما كان يصنع في أصفهان.
أما آسيا الصغرى فقد كانت في عصر السلاجقة إقليما من إمبراطوريتهم كما كانت إيران نفسها. والواقع أن الفن في بلاد الجزيرة وفي بلاد الأناضول كان منذ القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) متأثرا بالفن الإيراني كل التأثير، ولما انفصلت تلك الأقاليم عن إيران على يد الأتراك العثمانيين لم تنقطع صلتها الفنية والثقافية بإيران؛ فالخزف الذي كان يصنع في أسنيك والذي ينسب خطأ إلى رودس، والديباج الثمين الذي كان ينسج في آسيا الصغرى، والسجاجيد التركية التي كانت تشبه في اللون والزخرفة السجاجيد المصنوعة في شمالي إيران، وما إلى ذلك من التحف الفنية التي تنسب إلى الطراز العثماني، كل هذه كانت تحمل في ثناياها الأساليب الفنية الإيرانية، وتشهد بأن هذا الطراز العثماني يمت للطرز الإيرانية بأوثق الصلات.
2
ولا غرو فقد كان الفنانون الإيرانيون يرحلون إلى تركيا لكسب العيش والوصول إلى الشهرة، والعمل في بلاط السلطان أو الاشتغال بتصميم بعض العمائر وزخرفتها، ولسنا ننسى أن الذي شيد المسجد الأخضر في بروسة كان مهندسا إيرانيا من تبريز. وفضلا عن ذلك فقد كان الأتراك العثمانيون في حروبهم مع الأسرة الصفوية في إيران يحرصون على الانتفاع بخدمات الأسرى الذين كانوا يتقنون فنا من الفنون أو يلمون بإحدى الصناعات الدقيقة.