12
وعود الصليب (الفاوانيا)، ورسوم السحب الصينية أو «تشي» التي امتازت بها المنسوجات الصينية منذ عصر أسرة هان (202 ق.م-220م).
والمعروف أن بعض مراكز النسج الإيرانية، ولا سيما السوس وتستر، فقدت في عصر المغول شهرتها السابقة؛ بسبب ما أصابها من التدمير على يد جيوشهم، ولكنا لا نجهل أن بعض المراكز الأخرى، ولا سيما هراة ونيسابور، لقيت منهم تعضيدا عظيما، كما أنهم حين دمروا مدينة مرو أبقوا على حياة عدد كبير من الفنانين فيها،
13
ومن المدن التي ذاع صيتها في تجارة المنسوجات في ذلك العصر مدينتا تبريز
14
وقم.
15
على أن عناية المغول بصناعة النسج تظهر من جمال المنسوجات المرسومة في الصور المنسوبة إلى عصرهم، والتي يلبسها الأشخاص المرسومون في الصورة، أو تصنع منها المظلات والستائر وأغطية الأرائك، وغير ذلك من الأشياء الثانوية فيها.
ويلاحظ في رسوم المنسوجات المغولية انتشار الزخرفة بالأشرطة على النحو الذي أقبل عليه النساجون في شتى أنحاء العالم الإسلامي، على أن الأشرطة في الأقمشة المغولية أصبحت ضيقة وروعي في جمعها التنويع وجمال المنظر، كما ملئ بعضها بخطوط هندسية مستقيمة أو منكسرة أو متقاطعة.
16
وقد نرى في رسوم تلك المنسوجات في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) موضوعات زخرفية نباتية محورة عن الطبيعة تحويرا لا يفقدها كل اتصال بها. وتمتاز تلك الموضوعات بأن رسوم أوراق الشجر فيها مدببة، فضلا عن أنها لا تنمو في الساق فحسب، بل قد تنبت من الجذر أيضا، وأحيانا من الأرض نفسها؛ فتغطي النسيج كله وتجعله كالحديقة الغناء، وتزيد الشبه بينه وبين أرضية الصور في المخطوطات التي ترجع إلى نهاية العصر المغولي وإلى المدارس التيمورية المختلفة، ولا سيما مدرسة هراة.
ومن أهم الموضوعات الزخرفية التي انتشرت على المنسوجات في عصر المغول وعصر بني تيمور، رسوم الفروع النباتية (الأرابسك) ورسوم بلاط القاشاني.
17
وتنسب إلى مدينة تبريز مجموعة من الأقمشة المغولية الحريرية، عليها رسوم طيور كبيرة فوق أرضية من أطلس (ساتينيه).
18
وعلى إحدى القطع من تلك المجموعة كتابة بالخط النسخي الكبير باسم السلطان «أبو سعيد» (717-736ه؛ أي 1317-1335م)، وهي محفوظة الآن في إحدى متاحف فيينا، وقد كانت جزءا من كفن رودلف الرابع دوق النمسا.
19
وثمة مجموعة أخرى تظهر فيها شدة التأثر بالأساليب الفنية الصينية، وأشهر القطع المعروفة من هذه المجموعة محفوظة في إحدى الكنائس بمدينة دانزج
Marienkirche
وفي متاحف برلين.
20
ويظن أنها صنعت للسلطان المملوكي محمد بن قلاوون. وقوام زخرفتها رسم طائرين متدابرين في منطقة هندسية ذات اثني عشر ضلعا، فضلا عن مناطق أخرى فيها كتابة بالخط النسخي.
21
ومن الأقمشة التي يظهر فيها التأثر العظيم بأساليب الشرق الأقصى مجموعة ذات زخارف في أشرطة، بعضها مقسم إلى مناطق متعددة. وقد جاء على إحدى هذه القطع اسم ناسجها «عبد العزيز».
22
وقد لاحظ الأخصائيون في صناعة النسج أن عصر المغول لم يأت بجديد في هذا الميدان، بل إن بعض الأنواع الدقيقة لم يتقنها النساجون في ذلك العصر، فضلا عن أن الألوان قل بهاؤها وتنوعها، ولكن الأرجح أن هذا لا يرجع إلى عيب في الصناعة وإنما إلى مراعاة الذوق السائد في تلك الأيام . ولا ريب في أن الألوان الهادئة التي امتازت بها المنسوجات المغولية ترجع إلى تأثير الأساليب الفنية الصينية.
ومهما يكن من الأمر فإننا نرى في المنسوجات المغولية بدء الرشاقة والدقة والعظمة والترف في الزخرفة وفي الصناعة؛ مما مهد لما بلغته المنسوجات في العصر الصفوي. أما الروعة والشدة والحرية في الزخرفة، وما إلى ذلك مما نعرفه في المنسوجات الساسانية والمنسوجات الإيرانية في صدر الإسلام، فلم يبق منها شيء كثير. (4) في عصر التيموريين