ولا ريب في أن مدينة الري كانت في العصور الوسطى مركزا عظيم الشأن في صناعة النسج، كما كانت في صناعة الخزف؛ فقد ذكر المؤرخون والجغرافيون ذيوع صيتها في هذا الميدان، فضلا عن أن أعمال التنقيب عن الآثار في أطلالها لم تسفر عن المنسوجات التي أشرنا إليها فحسب، بل عثر القوم على أنوال ترجح أن تلك الأقمشة كانت تصنع في مدينة الري نفسها.
وتنسب إلى الري قطع تمتاز بجمالها الفني وإبداع ما فيها من الرسوم الحيوانية والآدمية، فضلا عن السطور المكتوبة بالخط الكوفي. وتشبه زخارف هذه الأقمشة ما نعرفه من الرسوم في الخزف المنسوب إلى مدينة الري، ولا سيما رسوم الحيوانات ذات الأجسام الممتدة تتقدم في شبه نشاط وخفة. ومن الزخارف التي تكثر في منسوجات الري دون غيرها رسم الطاووس.
وقد اشتهرت تلك المدينة بصناعة نسيج من الحرير ذي لحمتين اسمه «المنير»، ولكننا لا نظن أن نسجه كان وقفا عليها دون غيرها من البلاد الإيرانية.
ومما ينسب إلى إقليم فارس - جنوب غربي إيران - قطعة جميلة من نسيج الكتان محفوظة في مجموعة المسز وليم مور، وفيها أشرطة منسوجة من الحرير الأبيض والأسود نرى بين زخارفها مناطق فيها رسوم بط وإوز، كما نرى رسوم نجوم مثمنة، وفيها رسوم حمار بين فروع نباتية وفوق رأسه طائر.
8
وثمة قطعة نسيج أخرى تنسب إلى الإقليم نفسه، وترجع إلى القرن الخامس أو السادس بعد الهجرة (الحادي عشر أو الثاني عشر بعد الميلاد)، وقد كانت سابقا في مجموعة رابنو، وتنتهي هذه القطعة بشريط من أربع مناطق، العليا والسفلى واسعتان وفيهما رسوم نباتية سلجوقية الطراز، بينها إوز مرسوم بأسلوب زخرفي جميل، أما المنطقتان الواقعتان في الوسط ففيهما سطران من الكتابة الكوفية (انظر شكل
115 ).
ومما ينسب إلى مدينة يزد قطعة نسيج في مجموعة المسز وليم مور، وترجع هذه التحفة إلى القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) وأرضيتها زرقاء مائلة إلى السواد، وعليها شريط من الكتابة بخط كوفي رائع المظهر، وتزينه رسوم نباتية جميلة
9 (انظر شكل
109 ).
وينسب إلى قاشان ضرب من المنسوجات تكثر في زخارفه رسوم وثيقة الصلة بالرسوم والأساطير التي عرفتها إيران قبل الإسلام؛ ومثال ذلك شجرة الشمس ذات الحبوب الكثيرة والقرون النباتية التي تتفرع منها، ثم رسوم الخيل يتدلى إلى جانبها جراب السيف المقدس،
10
كما نرى على قطعة مشهورة رسم فارسين بينهما شجرة وفي يد كل منهما باز، وتحت حصان كل منهما أسد رابض، كل هذا في منطقة يحدها شريطان ملفوفان،
11
وعلى قطعة أخرى رسم نسر كبير ذي رأسين وجناحاه مبسوطان وبينهما رسم إنسان متوج، وعلى يمينه ويساره رسم أسد مجنح. (3) في عصر المغول
في القرنين السابع والثامن بعد الهجرة (الثالث عشر والرابع عشر بعد الميلاد) زاد تأثر المصانع الإيرانية بالأساليب الصينية في زخرفة المنسوجات؛ بسبب ازدياد الوارد من الأقمشة الصينية واتساع تجارة إيران مع الشرق، ثم بسبب غزوات المغول وقدوم كثيرين من النساجين الصينيين إلى إيران.
وقد مر بنا أن الصين في ذلك الوقت خضعت لأسرة يوان المغولية الأصل، والتي ظلت تحكمها حتى سنة 668ه/1367 ميلادية. وكان طبيعيا أن يعظم التبادل الثقافي والفني بين أبناء البيت الواحد من المغول في إمبراطوريتهم بالصين وإمبراطوريتهم في إيران. والمعروف أن جاليات إسلامية نمت في الصين حينئذ، واشتغلت بنسج الحرير الذي كان يصدر إلى أنحاء الشرق الإسلامي؛ فيؤثر على الأساليب الفنية في مراكز النسج فيه، بل أتيح أيضا أن يؤثر على أساليب الزخرفة في مصانع النسج الإيطالية. وأقبل النساجون في إيران على تقليد الموضوعات الزخرفية الصينية كالتنين والعنقاء وما إلى ذلك من الحيوانات الخرافية، ثم زهرة اللوتس،