تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والظاهر أن السجاجيد الإيرانية لم تكن تصنع كلها لتفرش على الأرض؛ فإننا نرى في صور المخطوطات رسوم بعض السجاجيد المعلقة أو التي تظل مجلسا من المجالس. وقد كان تعليق السجاجيد في الحفلات أمرا معروفا في أوروبا في عصر النهضة، كما أننا لا نزال نرى أثره حتى اليوم في تعليق الأبسطة الثمينة من الشرفات التي يطل منها الملوك أو رؤساء الحكومات على الشعب أو يستعرضون منها جيوشهم أو فريقا من رعاياهم. •••

وفي مصر مجموعة ثمينة جدا من السجاد الإيراني تعد من أكمل مجموعات العالم في هذا الميدان، وهي للدكتور علي باشا إبراهيم عميد كلية الطب، وقد قضى في جمعها السنين الطوال، وبذل النفقات الطائلة. وفي الحق أن كثيرا من سجاجيد هذه المجموعة لا نظير له إلا في قليل جدا من المتاحف أو المجموعات الخاصة الأوروبية؛ ولذا كانت كعبة الأخصائيين في الفنون الإسلامية، يحرصون على مشاهدتها كلما ألقوا عصا التسيار في مصر، فضلا عن أن بعض التحف من هذه المجموعة قد عرض في أعظم المعارض الدولية للفن الإيراني أو الفنون الإسلامية.

أما دار الآثار العربية فليست غنية جدا في السجاد الإيراني النفيس؛ لأنها لم تبدأ في العناية بجمعه إلا في السنوات الأخير. ولعل أبدع ما فيها سجادة من الحرير الموشى بالذهب والفضة، ترجع إلى نهاية القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي)، وتتكون زخارفها من السيقان والفروع النباتية الدقيقة المتصلة بخطوط متعرجة على شكل السحب الصينية (تشي)، ويتوسط هذه السجادة جامة كبيرة ذات فصوص عديدة، أما الإطار فيتكون من خمس مناطق غير متساوية في العرض، وأعرضها المنطقة الثانية من الخارج وبها بحور فيها كتابات.

19

وأكبر الظن أن هذه التحفة من صناعة شمال غربي إيران، وقد أهداها إلى الدار حضرة صاحب السمو الأمير يوسف كمال.

كما أن في دار الآثار جزءا من سجادة نفيسة مصنوعة من الصوف، وقوام زخارفها زهور كبيرة محورة ومنسقة وبعيدة عن الطبيعة، وذات ألوان متعددة على أرضية ذات لون أزرق قاتم، وهذه القطعة من أجمل التحف المعروفة من السجاجيد «ذات الزهريات».

20

وفي الدار - عدا ذلك - سجاجيد إيرانية أخرى ولكنها من صناعة القرنين الثاني عشر والثالث عشر بعد الهجرة (الثامن عشر والتاسع عشر بعد الميلاد).

| الخزف

كانت صناعة الخزف من أهم الميادين التي حاز فيها الإيرانيون المكانة الأولى بين الأمم الإسلامية، وقد ساعدتهم على ذلك العجينة التي امتازت بها بلادهم، والتي تصلح بنوع خاص لصنع الأواني الخزفية؛ فيسهل تشكيلها وحفر الزخارف فيها أو طبعها، كما تمتاز برقتها وقلة وزنها.

وليس من شك في أن هذه الصناعة بلغت على يد السلاجقة والمغول بين القرنين السادس والثامن بعد الهجرة (الثاني عشر والرابع عشر بعد الميلاد) غاية الإتقان في الهيئة والزخرفة، اللتين تدلان على أوفر قسط من الخيال السعيد والذوق السليم. وإن صح لدى بعض الخبراء أن الأواني الإغريقية في عصرها الذهبي كانت في الهيئة والأناقة آية دونها كل الأواني الأخرى، وإن صح لدى آخرين أن الخزف الذي صنع في الشرق الأقصى، ليس له نظير في الظرف والرونق - فإن فريقا ثالثا من الخبراء والهواة يرون في تلك الأواني الإغريقية والصينية جمودا، ودقة آلية في الشكل، وثقلا لا يرونه في الخزف الإيراني، فيحكمون له بالتفوق والسمو على سائر أنواع الخزف.

وعلى كل حال فقد امتازت التحف الخزفية الإيرانية في العصر الإسلامي بجمال الشكل وتناسق النسب وبريق الطلاء وإبداع الزخارف وتنوعها،

1

فضلا عن تنوع الأشكال نفسها

2

ومناسبة الزخارف لمادة التحفة وشكلها. ولا غرو فقد كانت لإيران منذ العصور القديمة تقاليد قديمة في صناعة الخزف، كما يظهر من القطع الخزفية التي كشفت في نهاوند، والتي تزينها زخارف هندسية جميلة. ثم كان عصر الكيانيين، وصارت الجدران المصنوعة من الآجر تغطى - كما في قصر مدينة السوس - بطبقة من المينا، يمكن أن نعدها الخطوة الأولى في تزيين الجدران التي قدر لها في العصر الإسلامي أن تكسى بألواح القاشاني وأجزاء الفسيفساء الخزفية. وفي العصر الساساني ازدهرت صناعة الخزف كما ازدهرت الفنون الأخرى. ولما انتشر الإسلام في إيران بدأت هذه الصناعة في التطور التدريجي حتى تخلت عن قسط كبير من الأساليب الفنية الساسانية، وطبعت منتجاتها بطابع يجمع بين العناصر الزخرفية الإسلامية وبين ما ورثه الصناع من أساليب إيرانية. على أننا لا نعرف كل ما نريد عن الخزف الإيراني في فجر الإسلام، مع أننا نعرف عنه في ذلك العصر أكثر مما نعرف عن أي ميدان آخر من ميادين الفن الإيراني في العصر نفسه؛ لأن العمائر التي ترجع إلى ما قبل القرن الخامس الهجري تعد على أصابع اليد الواحدة، والصور أو النقوش التي صنعت قبل القرن السابع الهجري نادرة جدا، وأقدم السجاجيد التي نعرفها ترجع إلى القرن التاسع، ولكن لدينا من التحف الخزفية ما يرجع إلى القرن الثاني وما بعده.

الفنون الإيرانية في العصر الإسلامي · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفنون الإيرانية في العصر الإسلاميص ٥٤