ولسنا نريد في هذا المقام أن نعرض للناحيتين العلمية والصناعية في نسج السجاد،
2
فهما لازمتان للأخصائيين ورجال العلم من المشتغلين بهذه المسائل، ولكنا نخشى أن يكون في بحث هاتين الناحيتين خروج عن المسحة الفنية العامة التي نريدها لهذا الكتاب، فحسبنا أن نقتطف بشأنهما ما نحتاجه من مقال الدكتور أحمد زكي بك؛ فقد أصاب فيه أبعد حدود التوفيق في تبسيط البيانات العلمية البحتة.
وقد ذكر الأستاذ في مقاله أن الخيوط كانت تصبغ قبل نسج السجاجيد والأبسطة، «وأن كل اعتماد الشرق في قديمه كان على صبغات نباتية أو حيوانية قليلة - قليلة بالنسبة لألوف الأصباغ المصطنعة اليوم اصطناعا. فكانوا يغطسون الغزل فيها فيحصلون على ألوان بعدد هذه الصبغات، ثم هم يعيدون تغطيس الغزل في غير صبغته الأولى؛ فيؤلفون بهذا بين الصبغات المختلفة؛ فيحصلون منها على ألوان جديدة عديدة، هي أوساط بين تلك الصبغات؛ وبهذا يوسعون فيما ضيقت الطبيعة عليهم فيه. ومن أمثلة هذه الأصباغ وأشهرها النيلة أو النيلج، وهي زرقاء، ثم الفوة وهي حمراء، وكلتاهما من النبات.» •••
وتدل المصادر الأدبية والتاريخية على أن إيران في بداية العصر الإسلامي كانت أعظم البلاد شهرة في إنتاج السجاد؛ فكانت السجاجيد الإيرانية الثمينة تفرش في الحفلات الرسمية ببلاط بيزنطة في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي). وكتب جغرافيو العرب الأقدمون عن كثير من المدن الإيرانية، وذكروا أنها كانت مركزا لنسج السجاد،
3
وأكبر الظن أن زخارف السجاجيد الإيرانية غلبت عليها العناصر الهندسية والنباتية منذ بداية العصر الإسلامي إلى القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي).
ومهما يكن من الأمر فإن أقدم المعروف من السجاد اليدوي في إيران يرجع إلى القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي)، ففي متحف بولدي بدزولي
Poldi Pezzoli
في ميلان سجادة إيرانية بديعة، عليها بيت شعر فارسي نصه:
شد أز سعى غياث الدين جامي
بدين خوبي تمام اين كارنامي
سنة 929
ومعناه أن هذه التحفة الجميلة تم صنعها في سنة 929 (1523م) على يد غياث الدين جامي.
4
وثمة سجادة أخرى قد تكون أقدم قليلا من سجادة بولدي بدزولي، إذا صح ما يقال عن أنها كانت بين الغنائم التي استولى عليها السلطان سليم العثماني حين فتح مدينة تبريز سنة 920ه/1514م،
5
وهذه السجادة في مجموعة المستر بجيان
Bégian ، ونحن لا نميل إلى تصديق ما يقال عن صلتها بفتح تبريز حتى يقوم على صحته دليل قوي. وأكبر ظننا أنها ترجع إلى نهاية القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي).
وثمة سجادة أخرى مشهورة جدا طولها 52‚11 مترا وعرضها 34‚5، وهي تحفة فنية نادرة المثال محفوظة الآن في متحف فكتوريا وألبرت بلندن. وقد كانت قبل ذلك في مدينة أردبيل بضريح الشيخ صفي الدين جد ملوك الأسرة الصفوية، وفي وسط هذه السجادة جامة أو صرة كبيرة، وحولها جامات أخرى صغيرة وبيضاوية، والأرضية تزينها رسوم الزهور والزخارف النباتية ذات الألوان البراقة. أما الأركان ففي كل منها رسم يتكون من ربع جامة كبيرة حولها جامات صغيرة، وإطار هذه السجادة غاية في الجمال، فهو مكون من أشرطة مملوءة بدوائر ومستطيلات ذات فصوص، فضلا عن رسوم الزهور والزخارف النباتية، وفي طرف من أطراف السجادة مستطيل فيه بيتا شعر لحافظ الشيرازي،
6
وتحته العبارة الآتية: «عمل بنده دركاه مقصود كاشاني سنة 946»؛ أي عمل خادم الأعتاب مقصود القاشاني سنة 946ه/1539م.
7 •••
أما السجاجيد التي ترجع إلى ما قبل العصر الصفوي فلم يصل منها شيء يستحق الذكر، والذي نعرفه عنها مستمد من رسمها في الصور الإيرانية واللوحات الفنية الأوروبية التي ترجع إلى القرن الرابع عشر الميلادي. وأكثرها سجاجيد صغيرة ذات زخارف هندسية أو رسوم حيوانات محورة عن الطبيعة. وفي القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) كانت الزخارف هندسية فحسب، كما نرى في نوع أطلق عليه اسم هولبين، وهو المصور الألماني هانس هولبين