وقد اشتغل كثير من المجلدين الإيرانيين في تركية؛ فأنتجوا في القرنين التاسع والعاشر بعد الهجرة جلودا ثمينة لا تكاد تختلف عما كان ينتجه زملاؤهم في إيران، ولا شك في أن هذه الجلود الإيرانية والتركية في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) كانت أبدع من جلود الكتب المصنوعة في أي بلد أوروبي في ذلك العصر. •••
على أن فنون الكتاب في إيران بدأت في الاضمحلال منذ نهاية القرن العاشر الهجري (السادس عشر)، وبدأ الفنانون يحرصون على الإنتاج السريع الذي لا يمكن أن يسفر عن النتائج الطيبة التي عرفناها في المخطوطات الجميلة في القرن التاسع (الخامس عشر الميلادي). ولا ريب في أن النهضة الحديثة في إيران ستفلح في أن تعيد لتلك الفنون مجدها الأول.
| السجاد
السجاد أكثر منتجات الفن الإيراني انتشارا في العالم، وأكبر الظن أن شهرة إيران في هذا الميدان ترجع إلى العصور القديمة، وأنها كانت تصدر السجاد إلى الإغريق ثم إلى البيزنطيين ثم إلى الغربيين في العصور الوسطى. ولا عجب فقد كانت أبهة السجاجيد الإيرانية أول ما يبدو لمن يزور إيران من الرحالة أو يتصل ببلاطها من السفراء ورجال البعثات، فضلا عن أن موازنة هذه السجاجيد بما كان ينتجه الغرب لم تكن لتترك أي مجال للشك في التفوق العظيم الذي أحرزه الإيرانيون في هذا الميدان.
على أن أقدم السجاجيد الإيرانية المعروفة ترجع إلى عصر السلاجقة في القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي). وكان نسج السجاد شائعا بين القبائل الرحل وبين الأسرات الإيرانية العادية وفي المصانع التجارية المختلفة. أما اهتمام البلاط والأمراء بإنتاج السجاد فقد بدأ في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي)، وأنشئت مصانع النسج الشاهانية لينسج فيها مهرة الصناع السجاجيد الجميلة لقصور الشاه أو للأمراء والملوك الأجانب الذين يأمر بإهدائها إليهم.
ولا ريب في أن إيران كانت أكبر مركز لصناعة السجاد في الشرق كله، وأن المراكز الأخرى تأثرت بأساليبها الفنية كل التأثير، كما نرى في الهند وتركيا اللتين تأثرتا بها مباشرة، ثم بلاد القوقاز التي كانت منتجاتها في هذا الميدان خليطا من الأساليب التركية والإيرانية، ثم مصر وإسبانيا اللتين تأثرتا بها عن طريق تركيا.
1
ولعل السبب في ازدهار الصناعة في إيران هو تشجيع الملوك والأمراء ورجالات الدولة، وإنفاقهم الأموال الطائلة في إنتاج أحسن الفرش والأبسطة، وأفخرها مادة وحسن صناعة، على يد كثيرين من العمال، يشتغلون الشهور الطويلة في صنع سجاجيد تخرج آية في الفن، ولا يدري المرء بأي شيء يعجب فيها، أبنضارة الألوان وانسجامها أم بجمال الزخارف ودقتها أم بمتانة الصناعة وإتقانها؟! •••
وقد كتب الأستاذ أحمد زكي بك في العدد الخاص الذي أصدرته مجلة الثقافة عن إيران في 14 مارس سنة 1939 مقالا نفيسا عن الأبسطة والسجاجيد، جاء فيه أن عالما إنجليزيا اسمه رتشارد هكلوت
Hakluyt
عاش في القرن السادس عشر الميلادي، ونشر كتابا اسمه «الرحلات» قال فيه يخاطب التاجر الرحالة من تجار بلده: ... وفي فارس ستجد أبسطة من الصوف الخشن ذات فضالات من خيط مرسلة عند أطرافها، فهذه أحسن أبسطة الدنيا، وألوانها أجمل ألوان، فإلى هذه المدائن والبلدان فتوجه، وفيها فاعمل كل حيلة لتتعلم من أهلها كيف تصبغ هذه الفتائل؛ فهي مصبوغة بحيث لا يؤثر في لونها مطر أو خل أو خمر. فإذا أنت بلغت منهم علم ذلك، واكتنهت كنه هذا السر العجيب أمكنك أن تستخدمه في صبغ القماش وأنت واثق؛ فالصبغة التي تثبت في الفتائل الخشنة تكون أكثر ثبوتا في الثوب المنسوج ... واسأل عن سوائل الصباغة وحوائج الصبغ، وتعرف أثمانها. وإذا أنت استطعت أن تعود برجل واحد يحسن صناعة الأبسطة التركية، فقد غنمت الخير الكثير لأمتك، والكسب والعمل لشركتك.