35
وصفوة القول أن التصوير الإيراني في عصر تيمور وخلفائه خطا الخطوة الأخيرة في سبيل الكمال الذي بلغه على يد بهزاد وتلاميذه الذين حملوا لواء هذا الفن في صدر الدولة الصفوية، وذلك على الرغم من أن العاهلية التيمورية دب فيها الانحلال بعد وفاة شاه رخ وبدء النزاع بين خلفائه، حتى استولت قبائل التركمان على غربي إيران، وقامت دولة الأوزبك في بلاد ما وراء النهر، بل استطاعت أن تقضي على نفوذ خلفاء تيمور في شرقي إيران، ولكن هراة ظلت عاصمة التيموريين الذين تقلص نفوذهم بغير أن يؤثر ذلك في ازدهار صناعة التصوير؛ فكان حكم السلطان حسين ميرزا بيقرا بين عامي 873 و911 بعد الهجرة/1468-1506م من العصور الذهبية لتلك المدينة في الأدب والفن؛ فعمت شهرة بلاطه أنحاء القارة الآسيوية، واتصل به كثير من الشعراء والأدباء والموسيقيين، وكان هو ووزيره مير علي شير من أكبر رعاة التصوير في التاريخ الإيراني، حتى ظهر في خدمتهم بهزاد صاحب الآثار الفنية البديعة في التصوير الإسلامي. (6) بهزاد
ولد بهزاد في مدينة هراة سنة 854ه/1450م، وذاع صيته فيها، ونعم برعاية السلطان حسين بيقرا ووزيره مير علي شير، وظل يعمل في هراة حتى سقطت في يد الشاه إسماعيل الصفوي سنة 916ه/1510م؛ فانتقل معه إلى تبريز؛ حيث زاد نجمه تألقا، ونال من الشرف والفخار في خدمة الشاه إسماعيل، ثم ابنه طهماسب ما لم ينله مصور آخر في التاريخ الإسلامي.
وقد حفظ لنا أحد المؤرخين الإيرانيين نص البراءة التي تسلمها بهزاد حين عينه الشاه إسماعيل سنة 928ه/1522م مديرا لمكتبته الملكية ومجمع فنون الكتاب، فجعله رئيسا لكافة أمناء المكتبة ومن فيها من خطاطين ومصورين ومذهبين وغيرهم.
36
وذاع صيت بهزاد في إيران وفي غيرها من البلاد التي كانت لها بالإيرانيين صلات فنية، وفاق في الشهرة من سبقه من المصورين ومن عاصره أو خلفه منهم؛ فأثنى عليه المؤرخون الثناء الجم، وقرنوه بماني الذي يضرب به المثل عند الإيرانيين في إتقان التصوير، وقالوا: إن مهارته محت ذكرى سائر المصورين، وإن شعره من فرشاته قد أكسبت الجماد حياة ... إلخ، كما أعجب به الملوك والأمراء فتسابقوا إلى جمع آثاره الفنية وكتب عنه «بابر» القيصر الهندي المغولي أنه أعظم المصورين قاطبة.
وعندما أقبل بعض مؤرخي الفنون من الغربيين على دراسة التصوير الإسلامي عرفوا لبهزاد منزلته الجليلة، ولكن بعض المحدثين منهم يرون أنه نال أكثر مما يستحق
37 - وفي رأينا أن هذا الزعم الأخير مبالغ فيه إلى حد كبير.
على أن هذه الشهرة الواسعة التي أصابها بهزاد جعلت من الصعب أن نعرف على وجه التحقيق كل آثاره الفنية؛ لأن المصورين أقبلوا على تقليده بل كانوا يكتبون اسمه على الصور التي يرسمونها إعلاء لشأنها، كما أن تجار العاديات وبعض الهواة كانوا ينسبون إليه صورا ليست من عمله رغبة منهم في الكسب الوافر. والحق أن هذا جعل دراسة أسلوبه الفني أمرا عسيرا؛ فإننا لا نستطيع أن نطمئن إلى حكم نصدره بعد بحث الصور القليلة التي يثبت قطعيا نسبتها إليه.
وثمة صور أخرى ليست بعيدة كل البعد عن أسلوبه في الرسم، ولكن ليس عليها إمضاءه، ولعل الخير كل الخير في مواصلة الدرس والموازنة؛ حتى يمكن أن نعرف عن حقيقة آثاره الفنية أكثر مما نعرف الآن.
38
وكان بهزاد من أوائل المصورين المسلمين الذين عنوا بوضع إمضائهم على آثارهم الفنية، وقد استطاع بفضل علو مكانته أن ينتصر على الخطاطين انتصارا مبينا؛ فقد ذكرنا أنهم كانوا أعلى منزلة من المصورين، وكانوا يتحكمون في حجم الصور، وفي انتقاء الموضوعات، وفي تحديد الفراغ الذي يتركونه في صفحات المخطوطات ليرسم فيه المصورون، ولكن بهزاد قضى على ذلك كله واختار الموضوعات التي أرادها، ورسمها بالحجم الذي كان يبتغيه في صفحة أو صفحتين متجاورتين.