وفي مجموعة المستر شستر بيتي
Chester Beatty
مخطوط من «جلستان» سعدي، كتب سنة 830ه/1426م للأمير بايسنقر بيد الخطاط جعفر البايسنقري الذي استقدمه الأمير من تبريز ليعمل في مجمع فنون الكتاب بمدينة هراة،
28
وفيه ثماني صور بديعة يبدو فيها الإتقان والمميزات الفنية التي نعرفها في مدرسة هراة.
وقد كتب هذا الخطاط نسخة من الشاهنامه سنة 833ه/1430م تمتلكها الآن الحكومة الإمبراطورية الإيرانية، وتكاد تكون أبدع ما نعرفه من مخطوطات الشاهنامه المصورة؛ وذلك لإتقان صورها، وإبداع زخارفها والمهارة في تصوير الحوادث تصويرا تظهر فيه الحياة والحركة والتماسك ووحدة التأليف، وللتنويع الذي يبعد الملل الذي تسببه المناظر المكررة في مخطوطات مدرسة تبريز ومدرسة شيراز، ولمراعاة الدقة في رسم الخيل، والشجيرات والزهور والطيور وزخارف الملابس، فضلا عن العناية التامة برسم التفاصيل وبعض أنواع التحف كالسجاجيد والأواني وما إلى ذلك.
29
ومن أبدع الصور التي تنسب إلى مدرسة هراة صورة مستقلة ومحفوظة الآن في متحف الفنون الزخرفية بباريس، وهي تمثل لقاء هماي وهمايون في حدائق القصر الملكي بمدينة بكين (انظر شكل
41 ). ويتجلى فيها حب الطبيعة وإبداع تصويرها مع التوفيق في التعبير عن أرستقراطية الأشخاص المرسومين، فضلا عن أن ألوانها وأزهارها تكسبها سحرا عجيبا.
وثمة عدد من الصور المستقلة المنقوشة على الحرير على النحو المتبع في الشرق الأقصى، ويمكن نسبتها إلى مدرسة هراة في النصف الأول من القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي)، وتمتاز بوضوح التأثير الصيني فيها حتى يظن أنها من رسم المصور غياث الدين الذي سافر بين عامي 823 و827ه/1420 و1424م مع بعثة أرسلها شاه رخ إلى الصين،
30
وإحدى هذه الصور محفوظة في متحف الفنون الجميلة بمدينة بوستن
Boston ، وتمثل حبيبين جالسين على سجادة نفيسة وتظلهما شجرة مزهرة. والثانية في المتحف المتروبوليتان بنيويورك، وفيها أشخاص بجوار شجيرات مزهرة.
31
أما الثالثة ففي مجموعة الكونتس دي بهاج
Comtesse de Béhague
وتمثل لقاء هماي وهمايون، وقد أصاب فيها الفنان توفيقا عظيما في الجمع بين الأساليب الفنية الصينية والإيرانية.
32
وقد بدأت مدرسة هراة منذ منتصف القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) في أن تتميز عن سائر المدارس التيمورية وتفقد صلتها بها؛ فأصبحت لها ذاتية قوية في تأليف الصور ورسمها وتلوينها. وطبيعي أن بعض الفنانين لم يستطع أن ينفصل تماما عن التقاليد الفنية الموروثة، بينما سار آخرون في ميدان التطور شوطا بعيدا.
ومن المخطوطات التي تتجلى فيها المميزات الفنية التي عرفناها في مدرسة هراة، شاهنامه في الجمعية الآسيوية الملكية بلندن، كتبت للأمير محمد جوكي ابن شاه رخ. وقد توفي هذا الأمير سنة 848ه/1445؛ فأكبر الظن أن المخطوط يرجع إلى ما قبل وفاته ببضع سنوات.
33
وفي المكتبة الأهلية بباريس مخطوط من ديوان السلطان حسين ميرزا مؤرخ من سنة 890ه/1485م. ويدل ما في صوره من المناظر الطبيعية، ورسوم العمائر، والسحنات المغولية، وانسجام الألوان على سمو الأساليب الفنية التي وفق إليها الفنانون من مدرسة هراة.
وفي المتحف المتروبوليتان بمدينة نيويورك مخطوط من كتاب «هفت بيكر» للشاعر نظامي يحتوي على صورة بديعة جدا تمثل بهرام جور يثبت لحبيبته فروسيته ومهارته في الرماية؛
34
وذلك بأن يلصق بسهم واحد حافر حمار الوحش بأذنه. وتمتاز هذه الصورة بحسن توزيع الأشخاص بين الصخور والتلال، وعليها اسم المصور العظيم بهزاد، ولكنها نسبة لا نظن أنها صحيحة؛ لأن الصورة - على الرغم من إتقانها - لا يتجلى فيها ما نعرفه عن أسلوب بهزاد مما سيأتي شرحه في الصفحات التالية. والواقع أننا نعرف أسماء بعض المصورين في مدرسة هراة، ولكنا لا نستطيع أن ننسب إلى أحدهم أي صورة في مخطوط معين. ولعل أعظم هؤلاء المصورين هو روح الله ميرك نقاش الذي يقال إنه كان أستاذا لبهزاد، والذي تنسب إليه صورتان في مخطوط من المنظومات الخمسة للشاعر نظامي مؤرخ من سنة 900ه/1494م.