تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

15

وثمة مخطوط آخر من الشاهنامه محفوظ الآن في متحف طوبقابو سراي بإستانبول ومؤرخ من سنة 731ه/1331م، ولكن صوره وسط بين الصور السلجوقية وصور مخطوطي الشاهنامه وجامع التواريخ اللذين تحدثنا عنهما في السطور السابقة؛ فهي تمتاز بالعودة إلى اتخاذ الأرضية الحمراء، وبأن رسوم الأشخاص فيها تغلب عليها مسحة من البساطة والسذاجة. أما التأثير المغولي فظاهر في زخارف الملابس وفي رسم المناظر الجبلية والزهور.

16

ومن أبدع الصور التي تنسب إلى المدرسة الإيرانية المغولية في منتصف القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) مجموعة صنعت لنسخة من كتاب كليلة ودمنة، ثم جمعت في مرقعة (ألبوم) للشاه طهماسب وكانت محفوظة في مكتبة يلديز، ولكنها الآن في مكتبة الجامعة بإستانبول. وقد كان الأستاذ ساكسيان أول من كشف هذه الصور وكتب عنها؛ فذهب إلى أنها من صناعة مدرسة فنية ازدهرت في خراسان في النصف الثاني من القرن السادس الهجري

17 (النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي)، وتأثرت بالأساليب الفنية الصينية قبل أن يقبض المغول على زمام الحكم في إيران، ولكن نظرية ساكسيان لم تلق أذنا صاغية؛ فاعترض عليها سائر مؤرخي الفنون الإسلامية؛ لأن الدقة في رسم الأشخاص في تلك الصور لا يمكن وجودها في القرن السادس الهجري مع ما نعرفه في الصور المصنوعة في القرن السابع من بساطة ومسحة أولية، فضلا عن أننا نشاهد في الصور التي نحن بصددها الآن أن الفنان قد هضم ما اقتبسه من العناصر الصينية في رسم المناظر الطبيعية، وأنه قد أصاب حظا كبيرا من التوفيق في ملاحظة الطبيعة، وفي إكساب صوره شيئا من الحركة، وفي إتقان الرسوم الآدمية والحيوانية إتقانا لم يوفق إليه الفنانون الذين كانوا يعملون في تبريز؛ مما يحملنا على أن ننسبه إلى هراة التي ازدهرت في منتصف القرن الثامن الهجري (الرابع عشر)، وكانت عاصمة لأسرة الكرت، وهي - كما نعرف - أسرة ترجع نسبها إلى الغوريين الذين كانوا يحكمون أفغانستان والهند بين عامي 543 و612ه/1148-1215م؛ مما يفسر بعض ما نجده من روح هندية في تلك الصور.

ولما سقطت الأسرة الإيلخانية سنة 736ه/1336م، استولى بنو جلائر على جزء كبير من أملاكها ولا سيما العراق وغربي إيران؛ فقامت في عاصمتهم، بغداد، حركة فنية مباركة، ولم تلبث أن امتدت إلى تبريز حين خضعت لهم منذ سنة 760ه/1359م. وكان السلطان غياث الدين أحمد بهادر الجلائري (784-813ه؛ أي 1382-1410م) من أكبر هواة المخطوطات الثمينة؛ فشمل برعايته فنون الكتاب.

وفي المكتبة الأهلية بباريس نسخة إيرانية من كتاب عجائب المخلوقات للقزويني، كتبت لمكتبة هذا السلطان سنة 790ه/1388م بخط «نستعليق»، الذي ظهر في مدينة تبريز قبل تاريخ هذا المخطوط بوقت قصير، فلعل هذه النسخة من «عجائب المخلوقات» قد صنعت في تلك المدينة.

كما يمكننا أن ننسب إلى تبريز أيضا مخطوط شهير من «جامع التواريخ» لرشيد الدين - محفوظ الآن في المكتبة الأهلية بباريس - ولعله يرجع إلى نهاية القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي).

18

ونرى في صور هذا المخطوط بعض المميزات الفنية التي تزداد ظهورا في القرن التالي، ولا سيما تزيين الأرضية بشجيرات مزهرة وتجميل الملابس برسوم مذهبة.

وصفوة القول أن المدرسة التي ازدهرت في العراق وغربي إيران على يد بني جلائر، هي حلقة الاتصال بين المدرسة الإيرانية المغولية والمدارس التيمورية.

ومن أبدع الآثار الفنية التي خلفتها المدرسة الجلائرية في بغداد، مخطوط جميل من قصائد خواجو كرماني في شرح غرام الأمير الإيراني هماي بهمايون ابنة عاهل الصين، وهو محفوظ الآن بالمتحف البريطاني، وقد كتبه الخطاط المشهور مير علي التبريزي في بغداد سنة 799ه/1396م، وعلى إحدى صوره اسم المصور «جنيد نقاش» السلطاني نسبة إلى السلطان أحمد الجلائري، الذي اشتغل هذا الفنان في بلاطه. وتبدو في هذا المخطوط كل الظواهر الفنية التي امتازت بها المدرسة التيمورية في التصوير؛ فرسوم الأشجار والزهور غاية في الإبداع، وصور الأشخاص روعي فيها جمال النسبة والارتباط بالوسط الذي تقوم فيه؛

الفنون الإيرانية في العصر الإسلامي · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفنون الإيرانية في العصر الإسلاميص ٣٠