والحق أن العمارة الإسلامية في إيران لا تمتاز بتنوع عناصرها المعمارية بقدر ما تمتاز بالذوق السليم، والوضوح، مع الدقة والنسب الصحيحة المتزنة في جمع تلك العناصر والتأليف بينها. (3) أنواع العمائر الإيرانية في الإسلام
شيد الإيرانيون في العصر الإسلامي كثيرا من المساجد والأضرحة والمدارس والأسواق والخانات فضلا عن القصور الجميلة.
أما المساجد فقد كان أقدمها ذا إيوانات فيها أعمدة أو أكتاف، وكان استخدام الأعمدة الخشبية في بعض الأحيان سببا في سرعة تهدم المساجد، ولكن استعمال الأعمدة الحجرية أو المصنوعة من الطوب أصبح شائعا منذ القرن الثالث الهجري، ولم تكن هذه المساجد الإيرانية الأولى تختلف كثيرا عن سائر المساجد في العالم الإسلامي في ذلك الوقت.
على أن أبين العناصر الإيرانية البحتة في عمارة المساجد ترى في أبنية المدارس، وهي كليات دينية تشبه المساجد في تصميمها، وقد نشأت في إيران على يد السلاجقة، الذين اتخذوها - كما اتخذها المغول والتيموريون من بعدهم - أداة لنشر تعاليم المذهب السني. أما تخطيطها فقوامه صحن مكشوف تطل عليه قاعات ذات قباب، ويتكون من كل منها إيوان في وسط كل وجهة من الوجهات الأربع التي تشرف على الصحن، وتحف بالإيوانات قاعات في طابقين، يسكنها الأساتذة والطلبة. وأقدم المدارس التي لا تزال قائمة في إيران مدرسة على مقربة من المسجد الجامع في أصفهان، وترجع إلى منتصف القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي). والواقع أن أعظم الجوامع الإيرانية خليط في تصميمها بين المدرسة والمسجد ذي الإيوانات والأعمدة أو الأكتاف، وتمتاز بأن إيوان القبلة فيها كبير يتخذ للصلاة، وعلى جانبيه قاعات ذات قبوات ، ويمكن الوصول إليها من الصحن، وفوق هذا الإيوان قبة كبيرة.
وتتجلى طبيعة الشعب الإيراني وحبه للحدائق والمياه الجارية فيما نراه من وجود فسقية في صحن المسجد تحف بها الشجيرات والزهور.
وكانت الأضرحة في إيران أعم منها في سائر الأقطار الإسلامية، ولا غرو فقد كان الإيرانيون يعظمون أولياء الله ويعنون بذكراهم. وكانت الأضرحة أبنية مربعة وذات قبة تشيد للأولياء والصالحين؛ مما يكسبها طابعا دينيا، بينما كان الأمراء والأميرات يدفنون في مقابر على شكل أبراج.
أما الأضرحة ذات القباب فلعل المعماريين تأثروا في بنائها بالعمارة الهلينية والمسيحية الشرقية، كما أخذ الأمويون قبة الصخرة في بيت المقدس، والعباسيون القبة التي لا تزال قائمة في سامرا والتي يظن أنها مدفن الخلفاء العباسيين المنتصر والمعتز والمقتدر.
2
ومن أقدم هذه الأضرحة الإيرانية ضريح إسماعيل بن أحمد الساماني ( ∆
3
295ه؛ أي 907م)، وضريح السلطان سنجر السلجوقي ( ∆
552ه؛ أي 1157م).
وكانت مقابر أفراد الأسرات الحاكمة أبراجا أسطوانية في معظم الأحيان ولها سقف مخروطي الشكل؛ مما يثبت العلاقة الوثيقة بينها وبين خيام الأمراء عند القبائل الرحل بآسيا الوسطى. وكانت بعض هذه الأبراج ذات جدران مضلعة فتصبح نجمية الشكل، كما في أبراج دماوند والري وفرامين.
وعني الإيرانيون بتشييد الخانات الضخمة لمأوى المسافرين والقوافل، وكان أبدع ما في عمائر الخانات مداخلها المشيدة من الأبراج والعقود الشاهقة؛ مما يكسبها العظمة والفخامة.
بينما كانت الأسواق في إيران - كما في سائر الأقطار الإسلامية - طرقات ذات حوانيت صغيرة؛ ولكنها امتازت بقبواتها العظيمة وعقودها الضخمة، كما نرى في السوق الشاهاني بمدينة أصفهان.
أما القصور فقد كانت مظهرا من العبقرية الفنية الإيرانية، ولكننا لا نكاد نعرف عنها شيئا قبل القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) على الرغم من أنقاض قصر السلطان ألب أرسلان التي عثر عليها في نيسابور، وأنقاض القصور الأخرى التي كشفت في ساوه والري. وفي العصر الصفوي كانت القصور صغيرة الحجم، وكان كل ملك أو أمير يملك عددا كبيرا منها. وقد وصف الأوروبيون الذين زاروا إيران في ذلك العصر ما شاهدوه من قصور، فأطنبوا في ذكر ما فيها من أدلة الترف والنعيم وحسن الذوق، وذكروا سقوفها الدقيقة، واللوحات المصورة على جدرانها، والأثاث الفاخر في قاعاتها، وأشاروا إلى القاعات التي كانت تهيأ في جدرانها طاقات لوضع الأواني الخزفية الجميلة، على نحو القاعة المشهورة في ضريح الشيخ صفي الدين بأردبيل.