تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويمتاز الطراز الفني الذي ازدهر في إيران على يد الأسرة الصفوية بأن كل الأساليب الفنية التي كانت إيران أخذتها عن الشرق الأقصى في عصر المغول والعصر التيموري تطورت وهضمها الذوق الإيراني؛ فبعدت الشقة بينها وبين أصولها الصينية. كما يمتاز أيضا بزيادة الميل إلى قصص الأبطال الإيرانيين القدماء، وبالإقبال على تصوير هذه القصص في المخطوطات وفي غيرها من التحف الفنية. وعني الفنانون فضلا عن ذلك بدراسة بعض نواحي الطبيعة والحياة اليومية، وتجلى ذلك في صورهم وفي الزخارف التي استعملوها.

وقد زاد عدد المراكز الفنية في إيران، وكانت تبريز عاصمة الأسرة في البداية؛ فعمل فيها أعلام الخطاطين والمذهبين والمصورين والمجلدين، وأثر نشاطهم في ميادين فنية أخرى؛ فامتد نفوذهم إلى تصميم الفسيفساء الخزفية التي كانت تزين جدران العمائر وقبابها، كما ظهر أيضا في زخارف المنسوجات بأنواعها المختلفة. ثم نقل الشاه عباس مقر الحكم إلى أصفهان في نهاية القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) وعني بتجميلها، وبنى فيها المساجد والقصور وأقام الطرق المعبدة؛ فأصبحت هذه المدينة من أزهر مدن الشرق، وصارت في القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي) المحور الذي تدور حوله الحياة الفنية الإيرانية، وطغى فيها أسلوب رضا عباسي، الذي سيأتي الحديث عنه في الصفحات القادمة.

وإذا أردنا أن نفهم طبيعة هذا الطراز الصفوي وجب علينا أن نذكر أمرين: الأول نمو العلاقات بين إيران ودول الغرب واتصال الأمراء الصفويين بالأسرات الحاكمة في أوروبا، والثاني بقاء ما كان بين إيران والشرق الأقصى من علاقات فنية قديمة.

على أن خلفاء الشاه عباس لم يلبثوا أن انصرفوا إلى الاستبداد والخلاعة؛ فاستطاعت الدولة العثمانية أن تحتل إقليم العراق، الذي كان من أملاك الصفويين إلى سنة 1048ه/1638م، حين استولى السلطان مراد الرابع على بغداد وضم بلاد العراق إلى الدولة العثمانية، بعد أن قامت فيه على يد الإيرانيين أضرحة فخمة لكبار رجال الشيعة.

وأخذت عوامل الضعف تدب في الدولة الصفوية، وقلت عناية أمرائها بالفن ورجاله؛ فساء نوع المنتجات الفنية وكثر الإنتاج بالجملة للأسواق وأصحاب الذوق العادي، ولا سيما الغربيين الذين كانوا يقعون من تحف الشرق بكل عجيب خارج عن المألوف.

وقد كان الأفغان خاضعين للدولة الصفوية، ثم ثاروا عليها في عهد الشاه حسين وهزموه سنة 1135ه/1722م وسقطت أصفهان في يدهم؛ فكان هذا الحادث إيذانا بسقوط الصفويين، وإن كان بعض أمرائهم ظلوا بعد ذلك يحكمون نحو عشر سنين في إقليم مازندران جنوبي بحر قزوين.

ومن أبدع العمائر التي تنسب إلى الطراز الصفوي ضريح وجامع الشيخ صفي الدين بأردبيل. وقد بدئ تشييده في نهاية القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) وتم في منتصف القرن التالي. ويتكون هذا الضريح من مدخل ضخم تليه حديقة مستطيلة توصل إلى المباني التي تحيط بفناء داخلي يقع إلى يساره الجامع القديم، وهو عجيب ومثمن الشكل فيه ستة عشر عمودا من الخشب وفيه حنيات للنوافذ، ولا محراب له، وإنما تقع القبلة في اتجاه مدخله. وإلى يمين الفناء ضريح الشيخ صفي الدين، وبجواره بهو من الآجر، في جانبه الأيسر عقد كبير مدبب تعلوه حلية من المقرنصات، وفي البهو عدد من النوافذ فوقها وتحتها زخارف من الفسيفساء الخزفية.

ومن أفخم المساجد الصفوية مسجد الشاه في أصفهان؛ فهو يمتاز بامتداده وضخامته وجمال تخطيطه على الرغم من أن إيواناته الثلاثة غير متصلة؛ مما يفقد البناء شيئا من الارتباط والتماسك.

أما المدارس فأبدعها مدرسة مادرشاه، وقد شيدت في بداية القرن الثاني عشر الهجري (نحو سنة 1700م)، وتمتاز بإيواناتها العظيمة في طابقين، وبالقاعة ذات القبة الكبرى في إيوان القبلة (انظر شكل

الفنون الإيرانية في العصر الإسلامي · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفنون الإيرانية في العصر الإسلاميص ١١