1
لا يقصد بها سوى الأحجار الكبيرة والأصنام التي كان العرب يعبدونها ويقدمون لها القربان، ولكن كتب الحديث - وهي لم توضع إلا بعد وفاة النبي بأكثر من قرنين من الزمان - تنسب إليه بعض أحاديث تحرم تمثيل الكائنات الحية أو تصويرها. وقد يكون صحيحا أن هذه الأحاديث موضوعة، وأنها لا تعبر إلا عن الرأي الذي كان سائدا بين رجال الدين منذ القرن الثالث بعد الهجرة، ولكننا نميل إلى القول بأن كراهية التصوير في الإسلام ترجع إلى عصر النبي نفسه، وأن أساسها الرغبة في إبعاد المسلمين عن الصور والتماثيل التي تقربهم من عبادة الأصنام، كما أن البساطة والترف اللذين كانا سائدين في فجر الإسلام كانا لا يشجعان على نحت التماثيل أو رقم الصور.
وقد قيل إن المسلمين في كراهتهم تصوير المخلوقات الحية كانوا متأثرين بما كان سائدا عند اليهود، حتى إن الأحاديث النبوية التي تروى في تحريم التصوير تشبه في عباراتها التعاليم اليهودية في هذا التحريم.
والمعروف أن الأمم السامية عامة كانت تكره التصوير، أو لم تكن لها فيه مواهب كبيرة وأساليب فنية راقية، بل يقال أيضا إنها كانت تنسب للصور تأثيرا سحريا ليس هنا مجال شرحه.
وكانت كراهية التصوير وعمل التماثيل عامة بين رجال الدين في الإسلام على اختلاف مذاهبهم من سنيين وشيعيين. ولكن هذا النهي عن تمثيل الكائنات الحية وتصويرها لم يكن يراعى بين المسلمين في كل زمان ومكان، بل كان لا يلتفت إليه في أحيان كثيرة، ولا سيما بين الأمم الإسلامية التي لم تكن سامية الأصل، أو التي كان لها تراث فني ومواهب في التصوير تجعل إقلاعها عنه ليس هينا، كما كان هينا عند العرب أنفسهم. وهذا هو السر في ازدهار صناعة الصور والرسوم التوضيحية
miniature painting
في إيران والهند وتركيا، وبه يفسر أيضا وجود الصور الآدمية والحيوانية على منتجات الطراز الفارسي في الفن الإسلامي، وعلى منتجات العصر الفاطمي بمصر، ولا دخل للمذهب الشيعي في ذلك، فإن الأيوبيين مثلا كانوا من أبطال المذهب السني، ومع ذلك فقد كانوا يقبلون على التحف المعدنية ذات الموضوعات الزخرفية المستمدة من الإنجيل. وفضلا عن ذلك فإن الهنود، والترك، والمسلمين الذين شيد لهم قصر الحمراء، والذين صنعت لهم التحف العاجية ذات الزخارف الآدمية، كل هؤلاء كانوا سنيين، بل إن إيران لم تتخذ المذهب الشيعي مذهبا رسميا لها إلا منذ بداية القرن السادس عشر الميلادي.
ومهما يكن من شيء، فإن كراهية تصوير المخلوقات الحية كان لها تأثير عميق في طبيعة الفنون الإسلامية يمكن تلخيصه في الأمور الآتية: (أ)
جعلت المسلمين ينصرفون إلى إتقان أنواع أخرى من الزخرفة بعيدة عن تجسيم الطبيعة الحية أو تصويرها، وقد أفلحوا في هذا الميدان حتى أصبحت العناصر الزخرفية التي ابتدعوها طابعا على فنونهم، وصارت تنسب إليهم كما يظهر من لفظ «أرابسك». (ب)
أن المساجد وأثاثها والمصاحف روعي في زخارفها استبعاد رسوم الكائنات الحية، فأصبحت في الغالب خالية من الصور والتماثيل التي يستعان بها على شرح العقائد الدينية، وتوضيح تاريخ الدين وحياة أبطاله، كما في المسيحية مثلا. (ج)
أن الفنون الإسلامية لا تظهر فيها عبقرية النحات؛ فالتماثيل التجسيمية لا يكاد يؤبه لها، والفنانون ينصرفون إلى العمارة وإلى زخرفة المباني وتزيين التحف بالرسوم الفنية. (د)
أن صناعة التصوير التي ازدهرت عند الفرس والهنود المسلمين والترك لم تعرض للموضوعات الدينية إلا فيما ندر. أجل إن بعض المصورين رسموا صورا لعدد من الحوادث المشهورة في تاريخ الرسل المختلفين، كما أنهم رسموا صورا لبعض الحوادث في السيرة النبوية (ميلاد النبي - مقابلة النبي للراهب بحيرا في الشام - وضع الحجر الأسود في الكعبة بيد النبي - نزول الوحي - الهجرة إلى يثرب مع أبي بكر - الإسراء والمعراج - تكسير النبي للأصنام في الكعبة بعد فتح مكة - حادث غدير خم الذي يزعم الشيعة أن النبي أوصى عنده بالخلافة لعلي بن أبي طالب)، ولكن أمثال هذه الصور كانت نادرة ولم تحز رضاء رجال الدين، حتى ليمكننا أن نرى في هذا الميدان فرقا عظيما بين الفنون الإسلامية والفنون الغربية، فقد كان المصورون في الغرب على اتصال وثيق بالكنيسة يستلهمونها موضوعاتهم، ويستمدون منها تشجيعهم، فغلب على منتجاتهم الطابع الديني إلى عصر غير بعيد، بينما كان رجال الدين في الإسلام ينبذون المصورين، ولا يقدرون مواهبهم الفنية، ولا يمنحونهم أي تعضيد.