تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت إن أبا العلاء كان ينتقم من المجتمع، وأقول مرة ثانية إن ذلك دليل الحيوية، فمن الذي يحرم على هذا الرجل أن ينتقم من أهل عصره وقد آذوه أشنع إيذاء؟

ومن الذي يملك من الصبر ما يكف به لسانه عن عورات الناس في بعض الأحيان؟

إن أبا العلاء هجم على المنافقين، والقرآن استباح الهجوم على المنافقين، وما يمكن أن نعيب على أبي العلاء ما استباحه القرآن. إن أبا العلاء هجم على رجال الدين، ولا غرابة في ذلك، فرجال الدين أنفسهم يهجم بعضهم على بعض، إن أبا العلاء أعلن يأسه من الإنسانية، فهل استطاعت الإنسانية أن تحمي أهل الصدق والوفاء؟ إن أبا العلاء سخر من تعدد الديانات والمذاهب، فهل استطاع المصلحون أن يمحوا أسباب الخلاف بين الديانات والمذاهب؟

إن أبا العلاء جزم بأن بني آدم:

ما فيهم بر ولا صالح

إلا إلى نفع له يجلب

فهل استطاع بنو آدم أن يقيموا الدليل على خطأ هذا الظن الأثيم؟

إن أبا العلاء حكم بأن المرأة إذا شربت الكأس فقد تعرت، فهل اكتسى من بعده النساء؟ إن أبا العلاء حدثنا بأن ناسا ينهون عن الخمر في الصباح ويشربونها في المساء، فهل انقرض هذا النوع من النفاق البغيض؟

أسرف أبو العلاء في تجريح الإنسانية، وقد أنصف، فهذه الإنسانية الباغية تحتاج إلى من يفضح بغيها من حين إلى حين، ومن هم بنو آدم حتى يعطف عليهم أبو العلاء؟

هل عاش فيهم مصلح إلا بغصة أليمة لا يزحزحها في حلقة غير الموت؟

وهل كانت تواريخ الأنبياء إلا سلسلة من الرزايا والنكبات؟

وما الذي كان يصنع أبو العلاء والدنيا من حوله تضج بالظلم والعسف والزور والبهتان؟

إن أشعار أبي العلاء سجل صحيح لأوهام الإنسانية، فلتكذبه الإنسانية الباغية إن استطاعت.

لم يعرف الناس أن أبا العلاء رجل ضرير، وأن من كان في مثل حاله خليق بالشفقة والعطف، وهم تعقبوه بقالة السوء من أرض إلى أرض، فلتكن قالته فيهم وصمة باقية على الزمان.

ولكن ما هذا الذي صنعت بالناس يا أبا العلاء؟ إن عماك أخف من عماهم، هم جميعا مساكين صحت فيهم كلمة من يقول:

ألقاه في اليم مكتوفا وقال له

إياك إياك أن تبتل بالماء

أنت عبت النفاق على رجال الدين، فكيف غاب عنك أن رجال الدين لم يعش بينهم رجل صريح؟ أنت عبت الظلم على الحكام، فكيف غاب عنك أن الحاكم العادل جزاؤه الخسران؟ أنت أنكرت تعدد الديانات والمذاهب، فكيف غاب عنك أن لله حكمة في هذا التعدد؟

أنت رجوت أن يكون الناس حكماء، وما استطعت أن تكون حكيما.

أنت رجوت أن يضبط الناس ألسنتهم، ثم عجزت عن ضبط لسانك.

أنت عشت في قرية صغيرة ولم يسلم عقلك من الفتون، فكيف رجوت السلامة لمن عاشوا في كبريات المدائن، وصارعوا فواتك الأهواء؟ •••

أما بعد، فأنا أشهد أن المعري كان رجلا عظيما، بدليل أنه عاش نحو ألف سنة على ألسنة الناس في المشرقين والمغربين، ولو كان حقيرا لمات يوم مات.

والمعري له أخطاء لا تحتملها الملائكة ولا الشياطين، وله عندي عذر مقبول، فقد كان على عظمته شخصا من بني آدم، آدم المسكين الذي أغوته امرأة حمقاء فنزل إلى الأرض بعد أن كان يسكن فراديس الجنان.

عفا الله عنك يا أبا العلاء وعفا عني!

الفصل الخامس والأربعون

| في ضيافة القرآن1

سيداتي، سادتي

أرجو أن تلقوني بقلوبكم قبل أسماعكم، إن كان فيكم من يندم على ذنوبه كما أندم على ذنوبي، أرجو أن نقضي لحظات في ضيافة القرآن فهذه الأيام هي أصلح الأوقات للتشرف بضيافة القرآن، وإنما كانت كذلك لأن الخطايا أثقلت كواهلنا، والمريض هو أعرف الناس بفضل الطبيب، وقد آن أن نرجع إلى القرآن كلما دهمتنا ظلمات الذنوب، فهو يهدينا برفق وعطف، ويوجهنا إلى الخير بلطف وحنان.

وأنا أرجع إلى القرآن من حين إلى حين، أرجع إليه حين تعجز المذاهب الفلسفية عن هداية قلبي، أرجع إليه حين لا ينجيني الغرور السخيف الذي يوهمني بأني وصلت إلى أصول الحقائق حين طوفت بالمذاهب الفلسفية عند القدماء والمحدثين، أرجع إليه حين أكون كالمريض العاقل الذي لا يخفي علته على الطبيب.

وحي بغداد · الصفحة ٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي بغدادص ٨٢