الله أكبر! ذلك هو منطق شيخنا أبي العلاء.
فهل كان يظن هذا الشيخ أن الطبيب يستطيع أن يصف له شبل الأسد؟ إن نثيرة واحدة من شبل الأسد كانت تكفي لنقل أبي العلاء إلى حظيرة الأموات، ولكن الرجل استطاب الضحك على المغفلين من أبناء ذلك الزمان.
هل زهد أبو العلاء في أكل اللحم؟ هذا تمويه وتضليل، كان الرجل يتحرج من لحم الطير والحيوان، ولكنه كان مولعا بأكل اللحم المحرم - لحم الإنسان - فما ترك فئة ولا جماعة إلا انتاش لحمها بأنياب حداد.
لقد انسحب المعري من المجتمع، وما كان ذلك بابا من الزهد، وإنما كان فرار المناضل الذي تعب من النضال، وماذا صنع المعري حين انسحب من المجتمع؟ أترونه نظر إليه نظر الرفق والعطف، وذلك واجب الفيلسوف؟
ما صنع شيئا من ذلك، وإنما قضى دهره في أكل لحوم المجتمع، ولو كان قلبه أحس النور لعرف أن المجتمع قد يفسد من حيث لا يريد، لو كان قلبه أحس النور لعرف أن المجتمع غير مسئول عما يعاني من أوهام وأضاليل، فتلك مواريث القرون الطوال، لو كان المعري على شيء من الصفاء لأدرك أن المجرم قد يجرم وهو غير مسئول.
ولو كنت أستبيح لحم المعري كما استباح لحوم الناس، لقلت إن ثورته على المجتمع كانت ضربا من الانتقام الأثيم، فالرجل كان يعرف أن أهل زمانه يتهمونه بالمروق من الدين، فشاء له هواه أن يسجل مخازيهم ومآثمهم وأن يفضحهم في العالمين.
قد يقول القارئ مرة ثانية: وما محصول هذا الكلام؟
وأجيب بأن هذا النزق هو دليل الحيوية، فالمعرى كان يناضل نضال الأحياء.
وما أعيب على غير التناقض في فهم الرحمة، فهو كان يعطف على جميع المخلوقات إلا الإنسان، ولو أنه دخل في معركة مع الطير أو الحيوان لنظم في ثلبها مجموعة أعنف من اللزوميات.
كانت نظرات أبي العلاء إلى المجتمع نظرات عوام لا خواص، وأنا أرتاب كل الارتياب في أن يكون هذا الرجل حاول التوفيق بين سيطرة المقادير وضعف الناس، وأكاد أجزم بأنه لم يدرك خطر العسف، عسف الحاكم الذي يبيح فتح الحانات ثم يعاقب الناس على الشراب.
أما آراؤه في الزهد والزهاد فهي أضاحيك، وهي تشهد بأنه لم يعرف الزهد، لأنه كان في سريرة نفسه يؤمن بأن الناس لا يزهدون إلا مخادعين أو مرائين، ولعله لم يزهد إلا خداعا، أو رياء. بل لعله جهل كيف لطف الله به حين حجب بصره عن أسباب الشهوات، فلو أن الله كان حفظ عليه نور العيون لعرف أن الفضائل لا تشق ولا تصعب إلا على من يقارعون فتن الوجود. لو أن أبا العلاء كان مبصرا لرحم الناس. لو أن أبا العلاء كان مبصرا لعرف صدق الحكمة التي تقول: «القابض على دينه كالقابض على الجمر». لو أن أبا العلاء كان مبصرا لعرف أن الرجل لا يستطيع البعد عن مواطن الشبهات إلا حين تكون عزيمته أرزن من الجبال.
لو أن أبا العلاء كان مبصرا لعرف أن الناس لا ينخدعون لمظاهر الفتون لاهين أو لاعبين.
من أنت والإنسانية يا أبا العلاء؟ من أنت والإنسانية حتى تفضحها بذلك الكتاب الذي اسمه اللزوميات؟
أيها الرجل العظيم! إني أرثى لك وأعطف عليك، فقد حرمتك الأقدار من نعمة الجهاد في سبيل الفضيلة، حرمتك الأقدار من أسباب الشهوات فلم تكتب لك صفحة واحدة في كتاب الجهاد.
وكيف يحتاج إلى جهاد النفس من يحبس نفسه في بيته ولا يأكل غير البقول؟
كيف يحتاج إلى جهاد النفس من يقضي الدهر ولا تقع عينه على وجه جميل؟
كيف يحتاج إلى جهاد النفس من لا تذوق روحه صهباء الوجود؟
أغلقت أبواب الجهاد الأكبر - جهاد النفس - في وجه أبي العلاء منذ أصبح رهين المحبسين، ومنذ اكتفى بالطعام الذي لا يوقظ شهوات الحواس، ولكن بقى أمامه باب واحد من أبواب الجهاد، هو نزاهة الأذن ونزاهة اللسان، فماذا صنع؟
لقد أصبح أبو العلاء في ذمة التاريخ، وما يضره أن نتجنى عليه، ولو كنت أعتقد أنه يتأذى لحبست عنه قلمي، وفي حدود هذا التحفظ أقول إن الرجل أقام أذنيه مقام عينيه فعرف من صور المجتمع كل شيء، وكان له فيما أفترض أصحاب ينقلون إليه سوءات الناس فيمضي في ثلبهم وذمهم وتجريحهم بلا ترفق، وكذلك حرم من روح التصوف فلم يعرف معنى العطف على مصائب الناس. •••