أيها الصديق
احذر أن تنخدع بالظواهر فتظن أن التعاون العلمي قائم حقيقة بين مصر والعراق، قد نكون صنعنا شيئا، ولكن هذا الشيء لا يزيد عن حفر الأساس، إنما يتم التعاون العلمي بين مصر والعراق يوم نعرف تبادل الأساتذة وتبادل الطلاب، كما يفعل الفرنسيس والإنجليز والألمان، ويومئذ تتأصل المودة الحقيقية التي لا تزعزعها كلمة وشاية أو كلمة بهتان.
وهذه الآمال قد يعجز عن تحقيقها مصري مثلي، أو عراقي مثلك فهذه آمال لا ينهض بتحقيقها غير رجال لهم صبر الأنبياء.
أما بعد، فأنا أومن بأن الأمم العربية، أو الأمة العربية، شبعت من النضال السياسي وهو في أغلب أحواله نضال أثيم، فلم يبق إلا النضال الأشرف، وهو النضال العلمي والأدبي.
أنت تعرف أيها الأخ أننا لم نعرف البطولة في غير الميادين السياسية، وهي بطولة محترمة، فمن حق من أوذى في سبيل الوطن أن يقول إنه من رجال التضحية، وأن يطلب من المناصب ما يشاء، ولكن يبدو لي أن الوقت حان للبطولة العلمية والأدبية.
حان الوقت الذي نحرر فيه بلادنا من السيطرة الأوربية في العلوم والآداب والفنون، وما أدعو إلى غض أبصارنا عما في أوربا من آثار العقول، فهذا كلام لا يقوله رجل متخرج في السوربون.
وإنما يجب أن نروض أبناءنا على الشعور بأن لهم أدبا وعلما وفنا، يجب أن نروض أبناءنا على الشعور بأن لنا عقولا وأذواقا وأحاسيس.
يجب أن يفهم أبناؤنا أننا صالحون لبناء مجدنا الأدبي والعلمي بأيدينا.
يجب أن يكون مفهوما أن العرب صلحوا مرة للأستاذية العالمية نحو ثلاثة قرون.
يجب أن يكون مفهوما أن اتخاذ اللغات الأجنبية لغات تدريس في المعاهد والكليات هو اعتراف خطر بأن لغتنا فقيرة وأننا فقراء، وقد حاربت هذه النزعة في مصر وأنا اليوم أحاربها في العراق.
أيها الصديق
تلك كلمتي إليك، وما يهمني أن أنتصر عليك.
وإنما يهمني أن تفكر في الموضوعات التي طفت بها طوافا في هذا المقال، وأن تحاول بقلمك أن تخلق لها أنصارا من أهل الأدب والبيان.
لقد لقيتك وفي يدي سيف وأنا أعرف أنك ستلقاني وفي يدك غصن من الزيتون.
وسبحان من لو شاء لهدانا جميعا إلى سواء السبيل.
الفصل الأربعون
| عبقرية الشريف الرضي1
أما بعد، فهذا كتاب «عبقرية الشريف الرضي» وما أقول إني شغلت به نفسي سنة كما قلت يوم أخرجت شرح «الرسالة العذراء»، ولا سبع سنين كما قلت يوم أخرجت كتاب «النثر الفني»، ولا تسع سنين كما سأقول بإذن الله يوم أخرج كتاب «التصوف الإسلامي» فما شغلت نفسي بكتابي هذا غير خمسة أشهر، ولكنها من أشهر بغداد لا أشهر القاهرة ولا باريس، وما كان لي في بغداد لهو ولا فتون، فكانت الليلة في بغداد كليلة القدر، خير من ألف شهر، والتوفيق من أشرف الأرزاق.
وكتابي هذا هو مجموعة المحاضرات التي ألقيتها في قاعة كلية الحقوق، وكانت تلك المحاضرات من أشهر المواسم في حياتي، فقد كان أصدقائي يخشون أن يمل الجمهور بعد أسبوع أو أسبوعين، ولكن الجمهور كان يزداد إقباله من أسبوع إلى أسبوع، ولم ينقذني منه غير التصريح بأني أنفقت كل ما كنت أملك، ولم يبق إلا أن أستريح.
ومحاضراتي بكلية الحقوق في بغداد هي الموسم الثاني بعد محاضراتي عن «المدائح النبوية» وهي المحاضرات التي ألقيتها باسم الجامعة المصرية في قاعة الجمعية الجغرافية بالقاهرة، فهل يتسع العمر لموسم ثالث في القاهرة أو في بغداد؟ •••
لا تسألوني كيف ظلمت نفسي فأعددت هذه المحاضرات وأنشأت معها مقالات كثيرة جدا نشرتها صحف مصر ولبنان والعراق، ورججت الحياة الأدبية في بغداد رجا عنيفا، فذلك كان أقل ما يجب أن أصنع في مقابل الثقة التي شرفتني بها حكومة العراق، وذلك كان أقل ما يجب أن أصنع لأحفظ لنفسي مكانا بين الأساتذة المصريين الذين تشرفوا بخدمة العراق من أمثال: محمد عبد العزيز وأحمد حسن الزيات والسنهوري وعبد الوهاب عزام ومحمود عزمي، وذلك كان أقل ما يجب أن أصنع في خدمة تلاميذي وتلميذاتي في بغداد، وقد رأيت في وجوههم وجوه أبنائي وبناتي فكلفت نفسي في خدمتهم فوق ما أطيق.