تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اتق الله يا رجل واعترف بالحق.

اسمع أيها اليائس!

أنت تستكثر جائزة الصحافة للوراقين.

فهل لك أن تدلني ما هي مهمة الصحافة في العراق؟

أتكون مهمة الصحافة نشر الأخبار والقصائد والأقاصيص؟

إن الذي وجهني إلى هذا الاعتراض هو ما عانيته مع تلاميذي، فقد كنت أفرض عليهم واجبات يعجزون عن أدائها؛ لأن المصادر غير موجودة في مكتبات العراق.

هل تصدق أن تلاميذي لم يجدوا ديوان ابن خفاجة في أسواق بغداد؟

هل تصدق أن أكثر المؤلفات الحديثة لا تعرفها مكتبات بغداد؟

هل تصدق أن أعمالي مع تلاميذي تعطل في أحيان كثيرة بسبب قلة المراجع؟

كان في مقدوري أن أجعل «جائزة الوراقين» من عمل الحكومة، ثم رأيت أن أكلها إلى همتكم؛ لأن الحكومات لا تقوم بجميع الواجبات إلا في الأمم الضعيفة، والشعب العراقي ليس شعبا ضعيفا وإن ضعفت أنت.

وجائزة الوراقين لن تكلفكم شيئا، أعني أنها لا تكلفكم مالا، ويكفي أن يكون فيكم خمسة أو سبعة يراقبون النشر والتوزيع ثم يقيمون حفلة بسيطة يعلنون فيها اسم الفائز بجائزة الوراقين.

اسمع أيها اليائس!

هل يدهشك أن أقترح إنشاء جامعة عراقية؟

هذا فيما يظهر أعظم ما اقترحت، وفي كلامك ما يشير إلى أني أخطأت، والخطأ في هذه المرة أقبح، لأنه متصل بمشروع هائل تنوء به الجبال.

أعترف بأني أخطأت حين اقترحت إنشاء جامعة عراقية، ولكن يعزيني أن هذا الخطأ الفظيع وجد من يشاطرني حمل أوزاره الثقال.

فقد وجدت ناسا لا يقلون عني رعونة وطيشا، أقسم لك إنني وجدت ناسا يستصوبون هذا الخطأ الشنيع، فليذهبوا معي إلى جهنم إن كنت من المخطئين.

أنا أذكر أيها الرجل الفطن العاقل أن جميع الجرائد العراقية زكتني وأيدتني حين دعوت أول مرة إلى هذا المشروع الجليل.

وأنا أذكر أيها الرجل الفطن العاقل أن فريقا من الأدباء استحثني للمضي في الدعوة إلى هذه الفكرة، وكان ذلك فيما أذكر على صفحات البلاد والهدف والحاصد والزمان والاعتدال والعقاب.

والذين تحلو لهم مداعبتي في بعض الجرائد والمجلات لم يقولوا إني أخطأت حين دعوت إلى إنشاء جامعة عراقية.

فكيف كنت عندك وحدك رجلا غبيا؟

أيها الرجل الفطن العاقل اسمع ثم اسمع،

إن العراق يعتز بأن عنده قوة برية وقوة جوية.

وأنا أدعوه إلى أن يعتز إلى جانب هاتين القوتين بقوة علمية، وهذه القوة تحتاج إلى ثكنات، هي الكليات، كليات الجامعة العراقية التي أراها رأى العين، وإن أنكرها خيالك الوثاب.

أيها الرجل الفطن العاقل

أنا أحب أن أكسبك وأكسب مليونا من أمثالك لخدمة العراق.

فهل تراني أفلح؟

هل تراني أفلح في اجتذابك لإنشاء خمسين مقالة في الدعوة للجامعة العراقية؟

هل تراني أفلح في دعوة الشعب العراقي إلى الصوم يوما واحدا لتكون أثمان طعامه في يوم واحد كافية لإنشاء جامعة تنافس الجامعة المصرية؟

أنا أنتظر اليوم الذي يتحقق فيه التعاون العلمي بين مصر والعراق.

أنا أنتظر اليوم الذي تصنعون فيه بدجلة والفرات ما صنعنا بالنيل.

وهل أتاك حديث النيل؟

إن النيل لا يصل إلى البحر إلا وهو أوشال بفضل ما أقمنا عليه من القناطر والخزانات.

أما دجلة والفرات فيذهبان لمصافحة البحر بلا رقيب ولا حسيب.

اسمع أيها الفطن العاقل

لقد حضرت حفلة توزيع الجوائز بكلية الحقوق، وسمعت الخطبة الفصيحة التي ألقاها أحد المتخرجين، الخطبة التي قرر فيها أن مصر حين تخدم العراق من الوجهة التشريعية إنما تؤدي دينا قديما: هو الفقه الذي نقله الشافعي، وكان رحل إليها بعد التفقه بالعراق.

إن هذه الكلمة أثارت أشجاني، فقد تذكرت أننا فرطنا في ماضينا العلمي والأدبي، وتناسينا ربط الحديث بالقديم.

ولك أن تذكر أن فقه الشافعي الذي تعرق ثم تمصر لا يجد من رجال القانون عندنا أو عندكم من يعرف الفروق بين مذهبه القديم ومذهبه الجديد.

وأغلب الظن أن كتاب «الأم» الذي ألفه البويطي في فقه الشافعي لا يوجد بمكتبة الحقوق في بغداد، وإن كانت تلك المكتبة تعرف طوائف من المؤلفات في الفقه الروماني.

وحي بغداد · الصفحة ٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي بغدادص ٦٦