تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن التحكم أيها السيد أن تطلبوا مني أن أرى الدنيا بعيونكم، ومن التحكم أن تقولوا إن المجلات التي تمثل مصر هي الرسالة والمقتطف والهلال، فهذه حقا مجلات جيدة، ولكن في مصر عشرات من المجلات تصور جوانب كثيرة من المجتمع، ولا يمكن الغض من قيمتها الأدبية إلا إذا أنكرنا الحقائق على نحو ما تفعلون في بعض الأحيان.

رابعا:

زعمتم أني أكدت أن المودة في لبنان مودة عابرة كسحابة الصيف، وهذا منكم تحريف لكلامي، وهو تحريف لا يقع فيه رجل سليم الطوية.

ويهمني والله أن أسألكم: كيف جاز لرجل مثلي أن يقضي في مدينتكم ليلة واحدة ولا يسلم من الأقاويل والأراجيف بالرغم من حرصه الشديد على التعرف إلى من فيها من الأدباء، مع أني صحبت جماعة من أدباء تونس سنين عديدة ولم تمسني منهم كلمة سوء، ومع أني أقمت في بغداد أشهرا وأنا أصاول وأجادل كل يوم ولم أسمع من العراقيين كلمة ينفر منها الذوق.

خامسا:

زعمتم أني أقيس الأدب بمقياس الصداقة، ونسيتم جهودي في تحرير الأدب من النزعات الشخصية ونسيتم أني أول من رفع أعلام النقد الأدبي في العصر الحديث.

سادسا:

أكدتم لقرائكم أنكم تفرقون بين الأدب والصداقة وأني سأجد فيكم دائما أصدقاء أوفياء يعربون عن عواطفهم الخالصة بالأعمال لا بالأقوال، فأين مصداق ما تقولون وقد حملتموني على الندم إذ تعرفت إليكم، وسلمت عليكم؟ ألا ترون أنه كان الأنفع أن أمر بمدينة بيروت فلا أرى غير الجدران؟ ولكن ما قيمة الجدران بدون الرجال؟ وهل كانت بيروت أجمل مدينة حتى نضيع الوقت بالمرور عليها؟ إن يوما واحدا في الإسكندرية أجمل من قضاء الدهر كله في بيروت، فأعزوا مدينتكم بحسن الأدب، يا أدباء لبنان، والسلام.

الفصل التاسع والعشرون

| الشهرة مرض مزعج

صديقي

رسالتي في هذه المرة قصيرة جدا، وهي في التألم من مرض الشهرة، ذلك الداء العضال الذي لا يرجى منه شفاء.

الشهرة مرض مزعج، ولا يعزيني إلا شيء واحد هو أنني لم أسع أبدا إلى الشهرة، وأنت تعرف أخلاقي، أنت تعرف أنني لم أنفق في حياتي درهما واحدا في سبيل الشهرة كما يفعل من يشترون الشهرة بوسائل مختلفات.

ولكن هذه الشهرة الجذابة التي يبذل في سبيلها الناس ما يبذلون أصبحت تزعجني وتعطل أعمالي، بحيث أصبحت وأمسيت لا أفتح بيتي لطارق وإن طال وقوفه بالباب، وما أكثر من يطرقون بابي ثم ييأسون.

وفي مساء هذا اليوم وقع حادث طريف هو من جنايات الشهرة فقد دخلت المنزل الذي أقيم فيه فرأيت جماعة من السكان ينتظرونني، أتدري لماذا؟ ليقولوا في صوت واحد: يحيا شارع فؤاد، تحيا الزمالك، تحيا سنتريس! تحيا الرسالة! يحيا الصباح.

وقد ظننتهم سكارى فدخلت وأغلقت الباب بالمفتاح، وشرعت في أعمالي التي ستعرف بعض شواهدها يوم ألقاك، وظلوا هم يهتفون حتى يئسوا من خروجي إليهم، وكنت على الرغم من أشغالي أتسمع فلا أراهم ينطقون بغير الجميل، وهل ينطق العراقي بغير الجميل؟!

والآن وقد فرغت من أعمالي في الساعة الثالثة بعد نصف الليل أتسمع فلا أسمع شيئا، فأفهم أن جيراني ناموا وعلى شفاههم يحيا شارع فؤاد، تحيا الزمالك، تحيا سنتريس، تحيا الرسالة، يحيا الصباح.

ثم أتذكر أن في مصر ناسا ينامون ملء الجفون ولا يخطر ببالهم أن في العراق رجلا مصريا يشقى ويكدح ليجعل لمصر صوتا في العراق، متى تسكرون لتقولوا كلمة الحق، كما سكر جيراني فقالوا كلمة الحق؟

الفصل الثلاثون

| سهرات المسيو دي كومنين

مضت أعوام وأعوام وأنا لا أعرف التسويد ولا التبييض، فكيف اتفق أن أكتب هذه الكلمة خمس مرات، وأتردد في نشرها أكثر من عشرين مرة؟

لقد مزقت ما كتبت، وعدت إلى فطرتي في الإنشاء، عدت إلى الفطرة السليمة النقية التي صقلتها باريس، على أيامها أزكى التحيات. وأنا أكتب هذه الكلمة طوعا للأواصر المتينة التي تجمع بيني وبين المسيو دي كومنين، فإن رضى عنها فذلك ما أرجوه، وإن غضب فليست أول مرة أهتاج فيها ذلك القلب النبيل.

وحي بغداد · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي بغدادص ٥٠