سيدتي
كيف أنت الآن؟ ألا يزال وجهك الجميل يشع بذلك النور الوهاج؟ كيف أنت بين وسائد الدمقس والحرير؟ كيف أنت فوق تلك الأريكة التي تختال حين تحوى جسمك الفينان؟
ثم تقولين يا سيدتي إنك ما أعطيت ميعادا لأحد، وإنك إنما تخرجين وحدك لتنسم الهواء العليل، ولتشرفي على الدنيا الصاخبة من وراء حجاب.
وهو كذلك، ولكن ما رأيك إذا حملني الطيش فقلت إنني قادر على الظفر منك بألف ميعاد وميعاد؟ لا تعجبي يا سيدتي ، فسيأتي يوم يشتاق فيه قلبك النبيل إلى صحبة قلب نبيل، سيأتي يوم تعرفين فيه أن شمائلك العالية في ظمأ إلى شمائل عالية، سيأتي يوم تعرفين فيه أن الكبرياء على رجل مثلي لا ترضاه حرائر القلوب.
لقد صرحت بأنك تشتاقين أحيانا إلى رؤية الدنيا الصاخبة، إن صح ذلك فسيحملك الشوق إلى رؤية قلبي، ففيه يا مولاتي مواكب للأفراح والأحزان، في قلبي يا مولاتي نعيم وجحيم، وفيه وديان وأنهار وبحار وجبال، وفيه الشهد والصاب، والهدى والضلال.
في قلبي يا مولاتي ما يشوق الأعين وما يفزع القلوب، والفرجة على قلبي يدخل إليها الملاح بالمجان، وهو قلب خطر هرب من شره الكرام الكاتبون، فتعالي أنت للتفرج عليه فالمرأة أجرأ من الملائكة وأجرأ من الشياطين!
أما الشاب الظريف الذي تزعمين أنه شفاك فأنا أسمح له بأن يقطف من روضك ما يشاء، لأني أعرف أنه لا يزحزحني عن مكاني، وأفهم أنه في حاجة إلى رعايتي، ويسرني يا مولاتي أن يكتوي بنار الحب كما اكتويت، ليصير فيما بعد من كبار الرجال.
أما غيرتك من المرأة العراقية فسأعود إليها في غير هذا الخطاب، والسلام.
الفصل الثامن والعشرون
| الأدب والأخلاق
حضرة الأستاذ محرر المكشوف
تحيتي إليك وإلى زملائي الأعزاء، وبعد ...
فإني أصارحك بأني لم أرض عما نشرتموه عني في مجلتكم، ولكن لكم في بغداد أصدقاء يؤكدون أنكم لا تريدون غير إيقاظ الحياة الأدبية، فإن كان ذلك ما ترمون إليه فعلى الرحب والسعة، واشتموني كيف شئتم، فأنا أومن بأن كل سطر يقرأ هو سهم موجه إلى صدر الجهل.
ولكم أيضا أصدقاء في بغداد يؤكدون أنكم تحترمون حرية الرأي، فإن صح هذا فأنا أشكوكم إليكم، ولعلكم تتفضلون بنشر هذا الخطاب، ثم تعلقون عليه بما توجب أخلاق الرجال.
أولا:
صدقتم من يزعم لكم أني قلت إن الأديب في حياته العامة يعامل الناس بالتلون والتقلب، ولو راعيتم أصول النقد لعرفتم أنه من المستحيل أن يصدر عني هذا الكلام.
ثانيا:
سمحتم لأحد الشبان أن يحرض علي أهل العراق فيقول: إن الدكتور زكي مبارك يزعم أنه الطبيب الوحيد الذي يقدر على مداواة ليلى المريضة في العراق، مع أن في العراق كثيرا من الأطباء النطاسيين، وسيغار أهل العراق على كرامتهم فيحاسبون الدكتور مبارك أشد الحساب!
ولم تكتفوا بهذا؛ بل نقلتم الدسيسة الخسيسة التي نشرها سعيد العريان في مجلة الرسالة، إذ يزعم في سخفه أني أنكر خصومتي للرافعي لأتقرب إلى أهل العراق، وأنا موقن بأن الأستاذ الزيات لم يراجع تلك الكلمة، فمرت مرور الباطل على مساعديه.
وأحب أن يعلم من في مصر ومن في لبنان أني لا أتودد إلى أهل العراق، وإنما أحمد الله عز شأنه على أن شرفني بخدمة الأدب العربي في العراق، وأحب أن تعرفوا جميعا أن زكي مبارك لا يخاف إلا ربه ولا يؤذيه أن تحاربه جميع الجرائد والمجلات في سائر الأقطار العربية.
ثالثا:
عجبتم من أن أرد عليكم في مجلة الصباح لأنها في رأيكم مجلة المطربين والمطربات، وأحب أن أقول لكم بعبارة صريحة مكشوفة إني أعرف صاحب مجلة الصباح منذ ثمانية عشر عاما، فلم أعرف فيه غير الأدب والصدق والوفاء، وأعرف المحررين في مجلة الصباح معرفة تكفي للثقة بأمانتهم ونزاهتهم، ومن أجل ذلك أكتب في مجلة الصباح من حين إلى حين، بل أرى من الواجب أن أساهم في تحريرها كلما ساعدت الظروف.