تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أيها السادة

هل تؤذيكم هذه الصراحة؟

اعذروني فأنا أتكلم في بغداد، التي أعزت العقل والمنطق يوم كان الناس يعيشون في دياجير الجهل والغفلة والحمق والغباء.

وأنا في الواقع تلميذ بغداد قبل أن أكون تلميذ القاهرة أو باريس، فإن رابتكم صراحتي فلا تلوموني فاللوم على أسلافكم الذين شرعوا مذاهب العقل والمنطق.

أيها السادة

إن مصر عربية في كل شيء، عربية في لغتها ودينها وأخلاقها.

إن مصر عربية ولكنها لا تقول في كل لحظة إنها عربية؛ لأن الكريم لا يقول في كل لحظة إنه كريم، ولو فعل ذلك لأضافه الناس إلى أهل المن الممقوت.

إن أهل مصر كأهل الحجاز لا يقولون إنهم عرب، لأن توضيح الواضح من المشكلات.

أيها السادة

اسمحوا لي أن أقول بصراحة إن التشكيك في عروبة مصر لا يقوم به إلا ناس يخدمون المستعمرين ويخدمون المبشرين، والعراق لحسن الحظ منزه عن هذه الأهواء، إن مصر هي التي استطاعت أن تفرض على فرنسا أن تؤمن بأن اللغة العربية لغة حية فتكتفي بها في امتحانات البكالوريا الفرنسية، وهي التي استطاعت أن تفرض على عصبة الأمم أن تجعل اللغة العربية لغة رسمية دولية، وهي التي استطاعت أن تجعل الأزهر مرجعا لجميع المذاهب الإسلامية بلا استثناء، وذلك لون من الحرية الفكرية كانت مصر أول من شرعه بين جميع الأمم الإسلامية.

أيها السادة

إن مصر هي بلادكم وبلاد كل ناطق بالضاد من جميع الديانات، إن مصر بلاد كل من ينطق باللغة العربية ولو تمذهب بالوثنية، فمن العقوق أن تسمعوا فيها كلام الخونة من عبيد المستعمرين الذين يريدون أن يوهموكم أن مصر انسلخت من العروبة، وأنها لا تعرف غير أصولها من الفراعين.

أيها العراقيون

أنتم الشعب الذي يعتمد عليه في حكومة العقل والمنطق، وقد سمعتم أن مصر لا تعطف على الأحزان العربية وحدثكم المغرضون أن مصر لم تحزن على نكبة فلسطين مثلا، فليقم من أعضاء نادي المثنى جماعة للموازنة بين ما نشرته الجرائد المصرية في الانتصار لقضية فلسطين وبين ما نشرته الجرائد العربية، وحينذاك تعرفون أن المصريين كانوا أكثر الناس غيرة على تلك القضية، قضية العروبة وقضية الإسلام.

أيها السادة

في مصر كثير من مظاهر العروبة، بل كل ما في مصر ينطق بعروبتها كما قال الدكتور محجوب ثابت، ولكن عيب مصر أنها لا تقول في كل لحظة إنها عربية، وأؤكد لكم وأنا صادق أن القاهرة ليست أعز علي من بغداد، ولكني مع ذلك أرجوكم أن تزوروا القاهرة لتقفوا على ما فيها من الحيوية العربية التي تتمثل في الأزهر والجامعة المصرية والمجمع اللغوي والفرقة القومية، والتي تتجسم في وزارة المعارف المصرية.

أيها السادة

إن المستعمرين وصنائعهم يريدون أن يوهموكم أن مصر تخلت عن العروبة، ويريدون أن يزهدوا العرب في الثقافة المصرية، لأنهم يفهمون أن أدباء مصر في هذه الأيام لا يقلون قوة وفحولة عن أدباء انجلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، أدباء مصر هم اليوم رجال الفكر والبيان ولو كره المستعمرون.

أيها السادة

إن العروبة في مصر بخير وعافية، ولا يعوزها إلا شيء واحد هو أن يثق بها أبناء الأمم العربية ولا سيما أهل العراق، رعى الله مصر ورعى العروبة وحفظ العراق.

آمين آمين لا أرضى بواحدة

حتى أضيف إليها ألف آمينا

الفصل السابع

| خطاب المؤلف في حفلة تكريمه في بغداد

أيها السادة

أقدم إليكم أصدق آيات الثناء، ثناء القلب لا ثناء اللسان، فقد حاولت أن أعد خطبة تناسب مقامكم المحمود، ولكني لم أصل إلى بعض ما أريد، وكان ذلك حالي في جميع المرات التي شرفني فيها أحرار الرجال بحفلات التكريم، فلم يبق إلا أن أرجوكم قبول هذه الكلمات، وقد دونتها وأنا بين الحيرة والاستحياء.

لم يكن في مذاهبي الأدبية ما يبعث على خلق الأنصار والأصدقاء فقد قضيت نحو عشرين سنة وأنا أحمل راية النضال، فلم يبق رجل معروف إلا وبيني وبينه أوتار وحقود، مع استثناء بعض المتفضلين بإقامة هذا الاحتفال.

وحي بغداد · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي بغدادص ١٧