وقد سمعتم أن الأستاذ الدكتور طه حسين اقترح إنشاء كرسي للأدب المصري في كلية الآداب بالجامعة المصرية، فهل معنى هذا أن الكرسي المنشود سيجلس عليه أستاذ لا يدرس غير «المواويل» التي يتغنى بها المغنون في قهوات الحلمية القديمة؟ هيهات، إنما هو كرسي يهتم من يجلس عليه بدرس الكتاب والشعراء والمؤلفين الذين أنجبتهم الديار المصرية وهم يعدون بالمئات، ولهم فضل عظيم على الثقافة العربية، وما أظنكم تبخلون علينا بإنفاق ألف دينار في كل سنة لدرس الأدباء الذين نبغوا في مصر ونحن ننفق الوف الدنانير في كل أسبوع لدرس الأدباء الذين نبغوا في سائر الأقطار العربية.
أيها السادة
اسمعوا هذا الحديث:
منذ أيام جاء إلى دار المعلمين العالية فراش من كلية الحقوق وترك لي نسخة من جريدة الرأي العام التي تصدر في بغداد، فعرفت أن أحد الموظفين هناك أرسلها إلي لغرض خاص فقلبت الجريدة فرأيت فيها تصريحا للأستاذ مصطفى عبد الرازق عن الوحدة العربية ورأيت تحت ذلك التصريح عبارة مكتوبة بالحبر الأحمر هذا نصها: «ليتأمل الدكتور زكي مبارك».
وقد تأملت وتأملت ثم تأملت، فماذا في تلك العبارة؟ فيها أن الأستاذ مصطفى عبد الرازق يقول إن مصر تقف من الوحدة العربية موقف المشاهدة لا موقف الفاعلة.
وهو كذلك، ولكني عرفت من سياق العبارة أن الأستاذ مصطفى عبد الرازق ألقاها باللغة الفرنسية لأنها نشرت في جريدة انجليزية أعني أنه قرر أن مصر ليس لها مع الأمم العربية موقف يسمى
Action
وهذه كلمة حق، فالظروف لا تساعد مصر على تجييش الجيوش في سبيل الوحدة العربية، وهذا إثم لا تحتمله مصر وحدها وإنما هي مصيبة دولية تشترك فيها جميع الأمم العربية.
ومع ذلك هل سكت المصريون على كلمة الأستاذ مصطفى عبد الرازق؟ لا، فقد هجموا عليه وخطأوه بعبارات قوية نشرتها جريدة العقاب منذ أيام.
مع أن عبارة الأستاذ مصطفى عبد الرازق ليس فيها عند التأمل ما يريب، وأقول بصراحة إن مصطفى عبد الرازق من مفاخر العرب والمسلمين، ولو كان في الأمم العربية عشرة من العلماء على نمط مصطفى عبد الرازق لكان العرب من أغنى الناس في عالم العقل والبيان.
أيها السادة
هل تحبون أن أحدثكم عن مصر العربية؟ قولوا إنكم تحبون ذلك!
إن مصر اليوم هي الشاهد على حيوية العرب : فالصحافة المصرية أقوى من الصحافة الفرنسية والصحافة الإيطالية والصحافة الألمانية، وليس هذا بالقليل يا أدباء بغداد، في مصر اليوم مطابع لا تقل قوة عن مطابع باريس ولندن وروما وبرلين، وهي مطابع عربية، لا إفرنجية ولا إنجليزية ولا جرمانية، في القاهرة معهد اسمه الجامعة المصرية، وهو بعون الله ورعايته لا يقل قوة عن جامعة لندن أو جامعة باريس أو جامعة برلين.
إن متوسط ما تخرج مطابع القاهرة باللغة العربية اثنا عشر كتابا في كل يوم بغض النظر عن مطابع بورسعيد والمنصورة وطنطا والإسكندرية وبلقاس وشبين وأسيوط، وبغض النظر عن المطابع الخصوصية مطابع العلماء والأدباء.
إن مصر هي البلد الوحيد بين البلاد العربية، البلد الوحيد الذي يعيش فيه حملة الأقلام عيش المياسير، وقد جربت ذلك بنفسي فكنت أغنم عشرات من الدنانير في الأسبوع الواحد من قلمي، ولي بيت في مصر الجديدة أنفقت عليه ألفي دينار كسبتها من سن القلم في عامين اثنين، ولو تيسر هذا في العراق والحجاز وسورية لأصبح العرب سادة العلم والبيان.
أيها السادة
أنا عربي أولا ومصري ثانيا، ولو شئت لقلت إن أبي من أصل عربي صريح، وأهل سنتريس يعرفون ذلك، ولكني أرفض التودد المتكلف وأقول إني مصري، وما تسوءني هذه النسبة، فالمصريون عرب في أقوالهم وأفعالهم وشمائلهم ودينهم ومذاهبهم، وأدعو الله عز شأنه أن يجعل مصر أبد الدهر من أملاك اللغة العربية لغة القرآن.