تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك الحال في الصحافة المصرية فهم يطلعون على ما يصدر في مصر من جرائد ومجلات، وكلما كانت المجلة قوية كان اتصالهم بها أشد، والمجلات الجدية تقدم عندهم على المجلات الهزلية، بخلاف ما قد يقع عندنا في بعض الأحيان.

وقد درست هذه المسألة وأنا في بغداد وأخذت إحصائيات عن توزيع المؤلفات والمجلات، فصح عندي بعد التحقيق أن أهل العراق يؤثرون المطبوعات التي يغلب عليها التعمق، وليس معنى هذا أنهم ينفرون من الفكاهات، ولكن معناه أنهم لا يقبلون على الأدب الخفيف إلا بعد التزود من الأدب الرزين.

فإن سألتم عن مصير التعاون العلمي بين مصر والعراق فإني أجيب بأنه سيزداد من يوم إلى يوم، ولكن ذلك الازدياد يتوقف على فهم مصر لقيمة الأمانة العلمية، وهذه الأمانة توجب التواضع ونسيان الذات، هذه الأمانة توجب أن يفهم المصري أنه ليس غريبا في العراق، فأهل تلك البلاد يؤذيهم أن نشعر في بلادهم بالغربة، لأنهم في الواقع أهل وأحباب.

وقد اتفق لي أن كتبت رسالة وجدانية بعنوان (القلب الغريب في ليلة عيد) فعاتبوني عليها مرات كثيرة وساءهم أن أقول إني في بلدهم غريب.

والعراق يثق بمصر ثقة عظيمة، ولهذه الثقة أثمان يجب أن يؤديها المصريون، والمصري لا يحتاج إلى مجهود كبير ليظفر بمحبة أهل العراق فيكفي أن يكون رجلا أمينا يعرف الواجب ولا يتدخل فيما لا يعنيه من شؤون تلك البلاد.

وأعتقد أن الاتصال بالعراق ينفع أجزل النفع، فهو يقوي روح العروبة ويغرس معنى التضحية ويصل الرجل بأصول الشهامة والنبل.

ولو كان بيدي شيء من الأمر لفرضت أن لا يعين في مصر وزير للخارجية إلا بعد أن يثبت أنه رجل زار الأقطار العربية وعرف ما يجب أن يقوم بيننا وبين تلك الأقطار من صروح المحبة والوداد.

ومستقبل مصر بين الأمم العربية مرهون بفهم هذه الحقائق، وظفر مصر بمحبة الأمم العربية هو في ذاته مغنم عظيم لا يزهد فيه إلا غافل أو جهول.

وسبحان من لو شاء لهدانا جميعا إلى سواء السبيل.

الفصل الثامن والخمسون

| مصر والبلاد العربية

خطبة المؤلف في حفلة تكريمه بالقاهرة

أيها السادة

أشكر لأدبكم وكرمكم التفضل بالحضور للتسليم على صديق كان اغترب مدة في سبيل خدمة العلم بالعراق.

وأعتذر عن كلمة «اغترب» وأقترح حذفها من المعجمات، فهي كلمة تفردت بها اللغة العربية، ولا يكاد يوجد لها نظير في اللغات الأجنبية، وعن لغة العرب نقلت إلى الفارسية والتركية، وهي كلمة حزينة يتمثل سوادها في كلام من يقول:

وكل محب قد سلا غير أنني

غريب الهوى يا ويح كل غريب

وفي كلام من يقول:

أنا في الغربة أبكي

ما بكت عين غريب

لم أكن يوم خروجي

من بلادي بمصيب

عجبا لي ولتركي

وطنا فيه حبيبي

ولي مع هذه الكلمة الحزينة تاريخ، فقد سببت أول معركة أدبية شهدتها في العراق، ذلك بأني كنت نشرت مقالا في مجلة الرسالة عنوانه: «القلب الغريب في ليلة عيد».

فعز على أدباء العراق أن أقول إني في بلدهم غريب، ودار الجدل أشهرا حول ذلك المقال في الجرائد والمجلات.

والحنين إلى الوطن مرض لا يصيب غير الضعاف في عالم الإنسان والحيوان، فأرجو أن يكون فينا من القوة ما يعصمنا من هذا المرض العضال.

أما ما كنت غريبا في العراق، وإنما كنت بين أهلي وقومي، وإذا صح للمصري أن يشعر بالغربة وهو في وطن عربي مثل العراق، فماذا ترونه يصنع لو هاجر إلى بلد في استراليا أو في إحدى الأمريكتين؟!

لقد آن للمصري أن يبرئ نفسه من ذلك المرض الذي يقضي بأن يتوجع حين تنقله الحكومة من القاهرة إلى حلوان، آن للمصري أن يفهم أن في دمه روحا عربيا يسوقه إلى الانتقال من أرض إلى أرض في سبيل المنافع العلمية والأدبية، آن للمصري أن يفهم أن رجولته لا تكتمل إلا إذا واجه المصاعب واستطاع أن يخلق لنفسه ولوطنه أصدقاء في مختلف البلاد.

وحي بغداد · الصفحة ١٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي بغدادص ١٠٦