تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليت قومي يعلمون كيف يحبهم أهل العراق؟

ليت قومي يعلمون كيف يفرح أهل العراق لفرحهم، وكيف يحزنون لحزنهم؟

ليت قومي يعلمون كيف تسير أنباؤهم في بغداد والحلة والموصل وكركوك والنجف وكربلاء والبصرة، وما إلى هؤلاء من حواضر العراق؟

ليت قومي يعلمون كيف تسود مجلاتهم ومؤلفاتهم وأناشيدهم في مضارب العشائر، وكيف تكون أغانيهم راح السامرين على شواطئ دجلة والفرات.

إن العراقيين يحبوننا أصدق الحب، فليعرفوا جيدا أننا نحبهم ونتمنى لهم كل خير، وننظر إلى بلادهم نظر الأخوة الصادقة التي لا تضمر غير العطف والصدق.

وستذكر مصر أن العراق وثق بها، واطمأن إليها، وتطلع إلى أخبارها تطلع الصديق المشغوف. ستذكر مصر أن العراق رآها أهلا لحمل الأمانة العلمية فمكنها من غرس أصول الثقافة الحديثة في رحاب دجلة والفرات.

وسيذكر العراق أن مصر كانت عند ظنه الجميل فلم ير من أبنائها غير الصدق والإخلاص والوفاء، ويرحم الله من قال:

اذكرونا مثل ذكرانا لكم

رب ذكرى قربت من نزحا

واذكروا صبا إذا غنى بكم

شرب الدمع وعاف القدحا

الفصل السابع والخمسون

| نهضة التعليم في العراق

صديقي

سألتموني أن أكتب كلمة عن نهضة التعليم في العراق وعن تأثير مصر في تلك النهضة وما ينطوي عليه من المعاني.

وأجيب بأن التعليم في العراق يتقدم تقدما سريعا، والأمة العراقية في هذه الأيام تتطلع إلى حفظ مكانتها الأدبية والعلمية بين الأمم الحية، وفي وزارة المعارف العراقية رجال أكفاء يصلون النهار بالليل في درس مناهج التعليم، والتفكير في تحقيق المستقبل العلمي والأدبي لتلك البلاد.

ومن الواضح أن العراق له ماض مجيد في الميادين العلمية والأدبية وهو يجاهد جهاد الأبطال ليكون في حاضره ما يذكر بماضيه، وهو اليوم يرسل البعثات العلمية إلى مصر وإلى غير مصر ليعد فريقا من أبنائه للأستاذية الصحيحة التي تعرف مطالب العصر الحديث، ولن تمضي أعوام حتى نسمع بأن بغداد استردت مجدها العلمي والأدبي في عصر بني العباس، وليس ذلك بعزيز على الأشبال في دجلة والفرات.

وقد ظهرت بواكير ذلك الأمل المنشود، ففي العراق لهذه الأيام معاهد كثيرة ابتدائية وثانوية وعالية، وسنسمع قريبا أن حكومة العراق قررت إنشاء (الجامعة العراقية) وهو حلم جميل دعوت إليه مرات ومرات، وسيحقق بإذن الله فما يمكن أن تعيش بغداد بلا جامعة وهي التي أذاعت علوم المعقول والمنقول في المشرقين، وإليها يرجع أكثر الفضل في نشر علوم اللغة والدين.

ولو شهدتم شواهد التشجيع للمعلمين والمتعلمين في العراق لرأيتم المعجب والمطرب، ففي أكثر الحفلات المدرسية يحضر الوزراء والنواب والأعيان، وقد يتفق في أحيان كثيرة أن يتفضل حضرة صاحب الجلالة الملك غازي الأول بحضور بعض الحفلات تشجيعا للحياة العلمية والأدبية.

أما نصيب مصر في نهضة التعليم بالعراق فهو يشرفها كل التشريف وأهل العراق يذكرون مصر بالخير ويثنون على جهود أبنائها في بلادهم أطيب الثناء.

ولا بد في هذا المقام من النص على بعض الأسماء التي نهضت بالتعليم في العراق، وأول هذه الأسماء هو الأستاذ محمد عبد العزيز وهو رجل لم أسمع اسمه إلا من أفواه الأساتذة بالعراق، هو رجل يجهله المصريون ويعرفه العراقيون، وقد حدثني الدكتور فاضل الجمالي بأن هذه الرجل سيسجل اسمه حتما في اليوم الذي يوضع فيه تاريخ لنهضة التعليم الحديث بالعراق.

ولا يمكن نسيان الأستاذ عبد الرازق السنهوري فقد كان له فضل كبير في تنظيم كلية الحقوق.

وللأستاذ الزيات والدكتور عزام سيرة عطرة عن ألسنة الرجال هناك.

وحيثما توجهت رأيت آثار الأساتذة المصريين في تلك البلاد، وفيهم جنود مجهولون لا يعرفون غير الواجب، وهم جمهور من المدرسين في المتوسطات والثانويات.

وتأثير مصر في العراق لا يقتصر على التدريس فهناك ألوف من العراقيين يتصلون بمصر اتصالا علميا عن طريق التأليف، فالمؤلفون المصريون لهم تلاميذ أوفياء بالعراق، ولا يصدر في مصر كتاب جيد إلا كان أهل العراق أول من يطلعون عليه، وهم يتابعون الثقافة المصرية بشغف وشوق، ولهم موازين يعرفون بها أقدار النوابغ من الشعراء والكتاب والمؤلفين.

وحي بغداد · الصفحة ١٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي بغدادص ١٠٥