10
والصداقة على هذا النحو تصوف في الوداد، فقد جمعت أقصى معاني الصدق والإخلاص، ومن الصدق جاءت الصداقة؛ لقيامها على رباط من العطف وثيق.
وشواهد التصوف في الولاء تجل عن الإحصاء، ويكفي أن نشير إلى أظهر ما وعى التاريخ.
كان المتوكل عقد لولده المنتصر والمعز والمؤيد ولاية العهد، ثم تغير على المنتصر دون أخويه، وكان يسميه المنتظر ويقول له: «أنت تتمنى موتي، وتنتظر وقتي!».
11
ودس المنتصر لأبيه من يقتله وهو في مجلس الشراب، فقال البحتري يبكيه وكان في مجلسه ساعة القتل:
فأين الحجاب الصعب حيث تمنعت
بهيبتها أبوابه ومقاصره
وأين عميد الناس في كل نوبة
تنوب وناهي الدهر فيهم وآمره
تخفى له مغتاله تحت غرة
وأولى لمن يغتاله لو يجاهره
تعرض نصل السيف من دون فتحه
وغيب عنه في خراسان طاهره
ولو عاش ميت أو تقرب نازح
لدارت من المكروه ثم دوائره •••
ومغتصب للقتل لم يخش رهطه
ولم تحتشم أسبابه وأواصره
صريع تقاضاه السيوف حشاشة
يجود بها والموت حمر أظافره
أدافع عنه باليدين ولم يكن
ليثني الأعادي أعزل الليل حاسره
ولو كان سيفي ساعة الفتك في يدي
درى الفاتك العجلان كيف أساوره
حرام علي الراح بعدك أو أرى
دما بدم يجري على الأرض مائره
وهل أرتجي أن يطلب الدم واتر
يد الدهر والموتور بالدم واتره
أكان ولي العهد أضمر غدرة
فمن عجب أن ولي العهد غادره
فلا ملي الباقي تراث الذي مضى
ولا حملت ذاك الدعاء منابره
ما رأيكم في هذا الرثاء؟ لقد سبقنا إلى تقديره أبو العباس ثعلب حين قال في هذه القصيدة: «ما قيلت هاشمية أحسن منها، وقد صرح فيها تصريح من أذهلته المصائب عن تخوف العواقب».
12
ولا يمكن تقدير ما في هذا الولاء من التصوف إلا إذا تذكرنا الظروف التي قيلت فيها هذه القصيدة: فذلك خليفة قتل، وكان ابنه هو القاتل، وهو الذي تولى الخلافة من بعده، والبحتري لم يكن إلا شاعرا يعيش على هامش الحياة، فلا صولة ولا جاه ولا مال ولا أنصار، فكيف يتفق له أن يقف هذا الموقف بلا قلب مؤزر بشجاعة الصوفية؟
إن أهم ثمرات التصوف هي الشجاعة، وهي التي خلقت من البحتري رجلا قويا في ذلك اليوم العصيب.
وكذلك يقال فيمن رثوا البرامكة ولم يبالوا بغضب الرشيد، وكيف تنكر الشجاعة الصوفية على رجل مثل سليمان الأعمى أخي مسلم بن الوليد، وقد قام يندب البرامكة على مسمع من الرشيد بهذا الشعر الصارخ:
أصبت بسادة كانوا عيونا
بهم نسقى إذا انقطع الغمام
فقلت وفي الفؤاد ضريم نار
وللعبرات من عيني انسجام
على اللذات والدنيا جميعا
ودولة آل برمك السلام:
جزعت عليك يا فضل بن يحيى
ومن يجزع عليك فلا يلام
هوت بك أنجم المعروف فينا
وعز بفقدك القوم اللئام
أألهو بعدكم وأقر عينا
علي اللهو بعدكم حرام
وكيف يطيب لي عيش وفضل
أسير دونه البلد الشآم
وجعفر تاويا بالجسر أبلت
محاسنه السمائم والقتام
أمر به فيغلبني بكائي
ولكن البكاء له اكتتام
أقول وقمت منتحبا لديه
إلى أن كاد يفضحني القيام:
أما والله لولا خوف واش
وعين للخليفة لا تنام
لطفنا حول قبرك واستلمنا
كما للناس بالحجر استلام
ولنتذكر أن مثل هذا الشعر قيل في أوقات الشدائد يوم كان الباكون على البرامكة معرضين للقتل، أليس هذا الولاء الصادق من شعب التصوف؟
وكان في الأندلس شاعر اسمه محمد بن عيسى، وهو المعروف بابن اللبانة، وهو شاعر كان منقطعا إلى المعتمد بن عباد، وله فيه مدائح، فلما أفل نجم المعتمد وخانته أيامه، وغدر به زمانه، ظل ابن اللبانة ملتزما عهد الوفاء، وكانت له مع أبناء أميره المغلوب نوادر تدل على غزارة المروءة ونبل الطبع؛ ومن حديث ذلك أنه «كان للمعتمد على الله ولد يلقب بفخر الدولة، رشحه للملك من بعده، وجعله ولي عهده، ولقبه بالمؤيد بنصر الله، فعاقته الفتنة عن مراده، وحالت الأقدار بينه وبين إصداره وإيراده، فما برح بفخر الدولة تغير الأيام بعد الفتنة إلى أن أسلم نفسه في السوق وتعلم من الصنائع صنعة الصواغ».