تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما لك عندي في الفؤاد نصيب؟

فلست بمتروك فأشرب شربة

ولا النفس عما لا ينال تطيب

فلا خير في الدنيا إذا أنت لم تزر

محبا ولم يطرب إليك حبيب

وكيف ينكر الصدق في الحب على من يقول:

ليهنك إمساكي بكفي على الحشا

وإذراء عيني دمعها في زيالك

ولو قلت: طأ في النار أعلم أنه

هوى منك أو مدن لنا من وصالك

لقدمت رجلي نحوها فوطئتها

هوى منك لي أو غية من ضلالك

أرى الناس يرجون الربيع وإنما

ربيعي الذي أرجو جدا من نوالك

أبيني، أفي يمنى يديك جعلتني

فأفرح أم صيرتني في شمالك

لئن ساءني أن نلتني بمساءة

لقد سرني أني خطرت ببالك

ولكن، هل معنى هذا أن كل محب صادق الحب يضاف إلى الصوفية؟

لا. فلو فعلنا ذلك لكان أكثر الشعراء من أرباب التصوف، وإنما نقصر هذا الوصف على من وقف قلبه عند هوى واحد، فالمجنون متصوف، والعباس بن الأحنف متصوف؛ لأن المجنون صورته القصة رجلا لا يعرف في الدنيا غير ليلاه، والعباس يشهد شعره بأنه وقف هواه على «فوز» وشارف حدود الفناء في الحب حين قال:

إذا لم يكن للمرء بد من الردى

فأكرم أسباب الردى سبب الحب

ولو أن خلقا كاتم الحب قلبه

لمت ولم يعلم بحبكمو قلبي

التصوف في الحب والمودة والولاء والسياسة

أما التصوف في المودة فهو قريب من التصوف في الحب، ومن شواهده ما حدث به أبو محمد الزهري قال: كان لثعلب عزاء ببعض أهله، فتأخرت عنه لأنه خفي عني، ثم قصدته معتذرا ، فقال لي: يا أبا محمد! ما بك حاجة إلى أن تتكلف عذرا، فإن الصديق لا يحاسب.

8

وأبرع شاهد على التصوف في الوداد قول التوحيدي:

قلت لأبي سليمان محمد بن طاهر السجستاني: إني أرى بينك وبين ابن سيار القاضي ممازجة نفسية، وصداقة عقلية، ومساعدة طبيعية، ومواتاة خلقية، فمن أين هذا؟ وكيف هو؟

فقال: يا بني! اختلطت ثقتي به بثقته بي، فاستفدنا طمأنينة وسكونا لا يرثان على الدهر، ولا يحولان بالقهر، ومع ذلك فبيننا بالطالع ومواقع الكواكب مشاكلة عجيبة، ومظاهرة غريبة، حتى إنا نلتقي كثيرا في الإرادات والاختيارات والشهوات والطلبات، وربما تزاورنا فيحدثني بأشياء جرت له بعد افتراقنا من قبل فأراها شبيهة بأمور حدثت لي في ذلك الأوان، حتى كأنها قسائم بيني وبينه، أو كأني هو فيها أو هو أنا، وربما حدثته برؤيا فيحدثني بأختها فنراها في ذلك الوقت، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل.

وقال بعد كلام: فقلت: هل تجد عليه في شيء، أو يجد عليك في شيء؟

فقال: وجدي به في الأول قد حجبني عن موجدتي عليه في الثاني، على أنه يكتفي مني فيما خالف هواي باللمحة الضئيلة، وأكتفي أنا أيضا منه في مثل ذلك بالإشارة القليلة، وربما تعاتبنا على حال تعرض على طريق الكناية عن غيرنا، كأننا نتحدث عن قوم آخرين، ويكون لنا في ذلك مقنع وإليه مفزع، وقلما نجتمع إلا ويحدثني عني بأسرار ما سافرت عن ضميري إلى شفتي، ولا ندت عن صدري إلى لفظي، وذاك للصفاء الذي نتساهمه، والوفاء الذي نتقاسمه، والباطن الذي نتفق عليه، والظاهر الذي نرجع إليه، والأصل الذي رسوخنا فيه، والفرع الذي تشبثنا به. والله ما يسرني بصداقته حمر النعم، وإذا كنت أعشق الحياة لأني بها أحيا، كذلك أعشق كل ما وصل الحياة بالحياة، وجنى لي ثمرتها، وجلب إلي روحها، وخلط بي طيبها وحلاوتها.

9

والتوحيدي ينظر إلى الصديق نظرة تصوف، وقد علل ميل الرجل إلى أهله وأحبابه بعلل دنيوية، ثم قال على لسان من أنطقه بالحديث: وكل هؤلاء مع شرف موقعهم مني وانتسابهم إلي دون الصديق الذي حريمي له مباح، وسارحي له مراح، أرى الدنيا بعينيه إذا رنوت، وأجد فائتي عنده إذا دنوت، إذا عززت له ذل لي، وإذا ذللت له عز بي، وإذا تلاحظنا تساقينا كأس المودة، وإذا تصامتنا تناجينا بلسان الثقة، لا يتوارى عني إلا حافظا للغيب، ولا يتراءى لي إلا ساترا للعيب.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٧