تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12

وغاية هذا المثال دار الملك، والمراد بها الجنة، والعائق هو المرأة، وهي الدنيا الغرور.

وعرض ابن القيم مثالا آخر، وخلاصته أن ملكا خط مدينة في أصح المواضع وأحسنها هواء، وأكثرها مياها، وشق أنهارها، وغرس أشجارها، وقال لرعيته: تسابقوا إلى أحسن الأماكن فيها، فمن سبق إلى مكان فهو له، ومن تخلف سبقه الناس إلى المدينة فأخذوا منازلهم، وتبوءوا مساكنهم فيها، وبقي المتخلفون من أصحاب الحسرات، ثم نصب لهم ميدان السباق وجعل على الميدان شجرة كبيرة لها ظل مديد، وتحتها مياه جارية، وفي الشجرة من كل أنواع الفواكه، وعليها طيور عجيبة الأصوات، وقال لهم: لا تغتروا بهذه الشجرة وظلها فعن قليل تجتث من أصلها، ويذهب ظلها، وينقطع ثمرها، وتموت أطيارها، وأما مدينة الملك فأكلها دائم، وظلها مديد، ونعيمها سرمدي، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فسمع بها الناس فخرجوا في طلبها على وجوههم، فمروا في طريقهم بتلك الشجرة على أثر تعب ونصب وحر وظمأ، فنزلوا كلهم تحتها واستظلوا بظلها وذاقوا حلاوة ثمرها، وسمعوا نغمات أطيارها فقيل لهم: إنما نزلتم تحتها لتحموا أنفسكم، وتضمروا مراكبكم للسباق. فقال الأكثرون: كيف ندع هذا الظل الظليل، والماء السلسبيل، والفاكهة النضيجة والدعة والراحة، ونقتحم هذه الحلبة في الحر والغبار والتعب والنصب والسفر البعيد والمفاوز المعطشة التي تتقطع فيها الأمعاء، وكيف نبيع النقد الحاضر بالنسيئة الغائبة إلى الأجل البعيد، ونترك ما نراه إلى ما لا نراه، وذرة منقودة في اليد أولى من درة

13

موعودة بعد غد. خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به، ونحن بنو اليوم، وهذا عيش حاضر كيف نتركه لعيش غائب في بلد بعيد لا ندري متى نصل إليه؟ ونهض من كل ألف واحد وقالوا: ما مقامنا هنا

14

في ظل زائل تحت شجرة قد دنا قلعها وانقطاع ثمرها، وموت أطيارها، ونترك المسابقة إلى الظل الظليل الذي لا يزول، والعيش الهنيء الذي لا ينقطع، إلا من أعجز العجز

15

وهل يليق بالمسافر إذا استراح تحت ظل أن يضرب خباءه عليه، ويتخذه وطنه خشية التأذي بالحر والبرد؟ وهل هذا إلا أسفه السفه؟ فالسباق السباق والبدار البدار! فاقتحموا حلبة السباق، ولم يستوحشوا من قلة الرفاق، وساروا في ظهور العزائم، ولم تأخذهم في سيرهم لومة لائم، والمتخلف في ظل الشجرة نائم، فما كان إلا قليل حتى ذوت أغصان تلك الشجرة، وتساقطت أوراقها، وانقطع ثمرها، ويبست فروعها، وانقطع مشربها، فقلعها قيمها من أصلها، فأصبح أهلها في حر السموم يتقلبون، وعلى ما فاتهم من العيش في ظلها يتحسرون، ثم أحرقها فصارت هي وما وحولها نارا تلظى، وأحاطت النار بمن تحتها فلم يستطع أحد منهم الخروج، فقالوا: أين الركب الذين استظلوا معنا تحت ظلها، ثم راحوا وتركوه؟ فقيل لهم: ارفعوا أبصاركم تروا منازلهم! فرأوهم من البعد في قصور مدينة الملك وغرفها يتمتعون بأنواع اللذات، فتضاعفت عليهم الحسرات وهذا جزاء المتخلفين.

16

وبقيت عند ابن القيم أمثلة لا تقل قيمة عما أسلفناه، وهي تدور حول محور واحد، ولا تختلف إلا بالصور والأشكال، وهذا وجه البراعة عند أولئك الناس، فالمعنى واحد، ولكن الأداء يختلف، كأنما يتسابقون في التزيين والتلوين. فإذا تأمل القارئ هذا عرف كيف استطاع التصوف أن يخلق ما شاء من الصور الأدبية، وكيف انتقلت الأخيلة على أقلام الصوفية من لون إلى لون، في براعة وحذق، وقوة تصوير وتهويل.

والمعاني النفسية لا تقل في هذا خطرا عن المعاني الأدبية، ففي هذه الصور تصغير وتحقير لمن ينسون الآجل الخالد حين يفتنهم العاجل العابر بما فيه من زخرف وبريق، وفي هذا وذاك هداية للنفس ومتعة للخيال.

| حكم ابن عطاء الله السكندري1

سيرورة الحكم العطائية

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٤٤