6
صور الدنيا في كلام الصوفية
وعند درس ما مر بنا من الصور نجد القرآن يؤثر تشبيه الدنيا بالنبات، ونجد الصوفية يؤثرون تشبيهها بالمرأة، والتشبيه الأول مرجعه إلى طبيعة الجزيرة العربية التي لا يستحب فيها شيء كما يستحب النبات البهيج، والتشبيه الثاني مرده إلى كلمة أثرت عن عيسى - عليه السلام - إذ رأى الدنيا في صورة عجوز عليها من كل زينة، فقال: كم تزوجت؟ قالت: لا أحصيهم. قال: فكلهم مات عنك أو كلهم طلقك. فقالت: كلهم قتلته. فقال عيسى: بؤسا لأزواجك الباقين، كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين!
7
والبيئة التي عاش فيها عيسى عليه السلام كانت توحي بمثل هذا التشبيه.
وقد وردت هذه الصورة أيضا في قول ابن عباس: «يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء، زرقاء، أنيابها بادية، مشوه خلقها، فتشرف على الخلائق فيقال: أتعرفون هذه؟ فيقولون: نعوذ بالله من معرفة هذه، فيقال: هذه الدنيا التي تشاجرتم عليها... ثم يقذف بها في جهنم».
8
تشبيهات ابن القيم
أما الأخيلة المفصلة فكثيرة، وأهمها ما دونه ابن القيم في عدة الصابرين، وهو يمثل شهوات الدنيا في القلب بشهوات الأطعمة في المعدة ويقول: «وسوف يجد العبد عند الموت لشهوات الدنيا في قلبه من الكراهة والنتن والقبح ما يجده للأطعمة اللذيذة إذا انتهت في المعدة غايتها، وكما أن الأطعمة كلما كانت ألذ طعما وأكثر دسما وأكثر حلاوة كان رجيعها أقذر، فكذلك كل شهوة كانت في النفس ألذ وأقوى فالتأذي بها عند الموت أشد، كما أن تفجع الإنسان بمحبوبه إذا فقده يقوى بقدر محبة المحبوب».
9
ويمثل الدنيا وأهلها في اشتغالهم بنعيمها عن الآخرة وما يعقبهم من الحسرات بقوم ركبوا سفينة فانتهت بهم إلى جزيرة، فأمرهم الملاح بالخروج لقضاء الحاجة وحذرهم الإبطاء، وخوفهم مرور السفينة فتفرقوا في نواحي الجزيرة، فقضى بعضهم حاجته وبادر إلى السفينة فصادف المكان خاليا، فأخذ أوسع الأماكن وألينها وأوفقها لمراده، ووقف بعضهم في الجزيرة ينظر إلى أزهارها وأنوارها، ويسمع نغمات طيورها، ويعجبه حسن أحجارها، ثم حدثته نفسه بفوت السفينة وسرعة مرورها وخطر ذهابها فلم يصادف إلا مكانا ضيقا فجلس فيه، وأكب بعضهم على تلك الأحجار المستحسنة، والأزهار الفائقة، فحمل منها حمله، فلما جاء لم يجد في السفينة إلا مكانا ضيقا، وزاده حمله ضيقا، فصار محموله ثقلا عليه ووبالا، ولم يقدر على نبذه، بل لم يجد من حمله بدا، ولم يجد له في السفينة موضعا فحمله على عنقه، وندم على أخذه فلم تنفعه الندامة، ثم ذبلت الأزهار، وتغير أريجها، وآذاه نتنها. وتولج بعضهم في تلك الغياض ونسي السفينة وأبعد في نزهته، حتى إن الملاح نادى بالناس عند دفع السفينة فلم يبلغه صوته لاشتغاله بملاهيه، فهو تارة يتناول من الثمر، وتارة يشم تلك الأنوار، وتارة يعجب من حسن الأشجار، وهو على ذلك خائف من سبع يخرج عليه، غير منفك من شوك يتشبث في ثيابه ويدخل في قدميه، أو غصن يجرح بدنه، أو عوسج يخرق ثيابه
10
ويهتك عورته، أو صوت هائل يفزعه. ثم من هؤلاء من لحق السفينة ولم يبق فيها موضع فمات على الساحل. ومنهم من شغله لهوه فافترسته السباع ونهشته الحيات. ومنهم من تاه فهام على وجهه حتى هلك.
11
وهذه الصورة ظل لصور كثيرة يجدها القارئ فيما أثر من أقاصيص الأدب القديم، يوم كان العرب يسيحون في البحار، أو يتمثلون ما يصادف رواد البحار من صور الأمن والخوف، والنعيم والشقاء.
ومن أحسن الأمثلة - في رأي ابن القيم - ملك بني دارا لم ير الراءون ولم يسمع السامعون أحسن ولا أوسع ولا أجمع لكل ملاذ النفوس منها، ونصب إليها طريقا، وبعث داعيا يدعو الناس إليها، وأقعد على الطريق امرأة جميلة قد زينت بأنواع الزينة، وألبست أنواع الحلي والحلل، وممر الناس كلهم عليها، وجعل لها أعوانا وخدما، وجعل تحت يدها ويد أعوانها زادا للمارين السائرين إلى الملك في تلك الطريق، وقال لها ولأعوانها: من غض طرفه عنك، ولم يشتغل بك عني وابتغى منك زادا يوصله إلي فاخدميه، وزوديه ولا تعوقيه عن سفره إلي، بل أعينيه بكل ما يبلغه في سفره، ومن مد إليك عينيه ورضى بك وآثرك علي وطلب وصالك فسوميه سوء العذاب، وأوليه غاية الهوان، واستخدميه، واجعليه يركض خلفك ركض الوحش، ومن يأكل منك فاخدعيه به قليلا ثم استرديه منه واسلبيه إياه كله، وسلطي عليه أتباعك وعبيدك، وكلما بالغ في محبتك وتعظيمك وإكرامك فقابليه بأمثاله قلى وإهانة وهجرا، حتى تتقطع نفسه عليك حسرات.