تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الصوفية قوة هائلة في الأخلاق، لا ريب في ذلك، ولكن معاذ الحق أن يغيب عنا أنهم لم يكونوا دائما موفقين، فقد كانت لهم هنوات وهفوات، واستطاع فريق منهم أن يلحق بالعالم الإسلامي ضررا غير قليل، ولو كانت مذاهبهم من الخير المحض أو الشر المحض لما احتجنا إلى تأليف هذا الكتاب، فغايتنا أن ننبه إلى أن لهم محاسن خلقية ينبغي أن تعرف ، ففي الناس من ينكر عليهم كل فضل، وأن لهم مساوي خلقية يجب أن تعرف، ففي الناس من يسند إليهم كل فضل. وما ندعي أننا سننص في هذا الكتاب على جميع ما وفقوا إليه، أو خلطوا فيه، من المذاهب الأخلاقية، فذلك يحتاج إلى مجلدات، ولكننا سنبرز طوائف من مذاهبهم تشعر القارئ بخطرهم في عالم الأخلاق، وسنجتهد في توجيه القارئين إلى أهمية النظر الفاحص الذي لا يكتفي بلمحة واحدة، وإنما يتعقب الظواهر الخلقية فيدرسها من جميع الجوانب ليرى أين يكون الشر والخير، والضر والنفع، ويعرف كيف يختلف الناس حول الظاهرة الواحدة فيقبلها هذا ويرفضها ذاك.

كلمة عن المصادر ومنهج التأليف

لقد أطلنا القول في تحديد الغرض من هذا الكتاب، فلنذكر بإيجاز كيف تخيرنا المصادر وكيف وضعنا التصميم.

أما المصادر الأصلية فهي كتب التصوف أولا، والتجارب الشخصية ثانيا. وأما المصادر الفرعية فهي كتب الأدب والأساطير، وهذه المصادر الفرعية تبدو أحيانا أقوى وأصدق؛ لأن الناس فيها يتكلمون بلا تحفظ ولا احتياط، فلا يستغرب القارئ إن رآنا نرجع إلى قصة عنترة بن شداد أو أخبار أبي نواس.

وأما التصميم فبنيناه على غرض الكتاب، فجعلنا الشطر الأول في الأدب، والثاني في الأخلاق، ولا ننكر أننا وجدنا صعوبة في تمييز بعض الشطرين من بعض؛ لأن فصول الكتاب يمكن إضافتها جميعا إلى الأدب أو إلى الأخلاق، ثم رأينا أن نسلك مسلك النحاة في التفرقة بين البدل وعطف البيان، فكل أثر كانت الصورة الأدبية هي الأظهر فيه أضفناه إلى الأدب، وكل أثر كانت الوجهة الخلقية هي الباعث عليه أضفناه إلى الأخلاق، مع الاعتراف بأن عناصر هذا الكتاب لا يمكن فصل بعضها من بعض إلا بعنف شديد.

ولنقيد أننا وقفنا في هذا البحث عند الأنواع الأدبية والخلقية، ولم نهتم بالزمان والمكان إلا قليلا، فالمدائح النبوية مثلا لم يكن يهمنا منها إلا درس النوع. أما التسلسل الزماني وتعقب الأقاليم التي ازدهر فيها هذا النوع فهو من المباحث الثانوية في هذا الكتاب، وكذلك يقال فيما كتبناه عن الدعاء والأخوة، والحب، والطعام، والزواج ، والغناء، إلى آخر ما اهتممنا به من المسائل الأدبية والخلقية.

وعند التأمل يظهر أنه لم يكن يحسن بنا غير ذلك، فكتابنا هذا يراد به أثر التصوف في الأدب والأخلاق، أي عرض ما أنشأ التصوف من أدب وما أنشأ من أخلاق. أما الدراسات التي تصف تسلسل هذه الأنواع في مختلف عهود التاريخ، وتنقلها من إقليم إلى إقليم، وسيادتها هنا وانهزامها هناك، فهي دراسات تجيء في المكان الثاني بعد وضوح أغراض هذا الكتاب.

على أننا نظلم أنفسنا حين نقول: إننا أغفلنا الجوانب التاريخية والإقليمية إغفالا تاما، فقد بذلنا جهدا عظيما في إعطاء بعض الأنواع ملامح تميزها من الوجهة التاريخية والإقليمية، ولكنا لم نشأ أن نسترسل في ذلك؛ لئلا يفسد علينا الاسترسال تصميم الكتاب. •••

أما بعد، فإني أعترف بأن هذا البحث فوق طاقتي، وكان من الصعب أن ينهض به رجل واحد، ولكن من المؤكد أن القارئ سيتذكر أن المؤلف طالب يتقدم للامتحان، والطالب يكتفى منه بما يقع في طاقة الطلاب، وإني لمطمئن إلى أني مثلت دور الطالب الذي لا يملك غير الصبر والجهد. أما الزمن فمن الكثير أن يصبر الطالب على درس موضوع واحد أكثر من سبع سنين، وما أضيق وقت الطالب حين يتجاوز الأربعين!

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٤