تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وللصوفية مواقف في الرثاء لم أر من اهتم بها ممن جمعوا المتخير في الرثاء، وانظروا كيف تكون جودة المعنة، وقوة السبك، ومتانة الديباجة، في قول ابن السماك يوم مات داود الطائي، وهو رثاء فريد عرف قائله كيف يحدد خصائص من بكاه:

إن داود - رحمه الله - نظر بقلبه إلى ما بين يديه من آخرته، فأعشى بصر القلب بصر العين، فكان كأنه لا ينظر إلى ما إليه تنظرون، وكأنكم لا تنظرون إلى ما إليه ينظر، فأنتم منه تعجبون وهو منكم يعجب، فلما رآكم راغبين مذهولين مغرورين قد أذهلت الدنيا عقولكم، وأماتت بحبها قلوبكم، استوحش منكم، فكنت إذا نظرت إليه نظرت إلى حي وسط أموات.

يا داود! ما أعجب شأنك بين أهل زمانك! أهنت نفسك وإنما تريد إكرامها، وأتعبتها وإنما تريد راحتها، أخشنت المطعم وإنما تريد طيبه، وأخشنت الملبس وإنما تريد لينه، ثم أمت نفسك قبل أن تموت، وقبرتها قبل أن تقبر، وعذبتها ولما تعذب، وأغنيتها عن الدنيا لكيلا تذكر، رغبت نفسك عن الدنيا فلم ترها لك قدرا إلى الآخرة، فما أظنك إلا وقد ظفرت بما طالبت، كان سيماك في سرك ولم يكن سيماك في علانيتك، تفقهت في دينك وتركت الناس يفتون،

20

وسمعت الحديث وتركتهم يحدثون، وخرست عن القول وتركتهم ينطقون، لا تحسد الأخيار ولا تعيب الأشرار، ولا تقبل من السلطان عطية ولا من الإخوان هدية، آنس ما تكون إذا كنت بالله خاليا، وأوحش ما تكون آنس ما يكون الناس، فمن سمع بمثلك، وصبر صبرك، وعزم عزمك! لا أحسبك إلا وقد أتعبت العابدين بعدك، سجنت نفسك في بيتك فلا محدث لك، ولا جليس معك، ولا فراش تحتك، ولا ستر على بابك، ولا قلة يبرد فيها ماؤك، ولا صفحة يكون فيها غذاؤك وعشاؤك، مطهرتك قلبك، وقصعتك تورك.

21

داود! ما كنت تشتهي من الماء بارده، ولا من الطعام طيبه، ولا من اللباس لينه، بلى! ولكن زهدت فيه لما بين يديك، فما أصغر ما بذلت، وما أحقر ما تركت في جنب ما أملت، فلما مت شهرك ربك بموتك، وألبسك رداء عملك، وأكثر تبعك، فلو رأيت من حضرك عرفت أن ربك قد أكرمك وشرفك، فلتتكلم اليوم عشيرتك بكل ألسنتها، فقد أوضح ربك فضلها بك.

22

وكان الصوفية - إلى جانب هذا الإبداع الأدبي - يحولون ثمار الأدب إلى معان روحية، كالذي صنع الشعبي حين قال: ما أعلم لنا وللدنيا مثلا إلا ما قال كثير:

أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة

لدينا ولا مقلية إن تقلت

وكذلك فعلوا في أكثر الأناشيد، فالشعر الذي يعبر عن نوازع حسية نقلوه في أناشيدهم إلى عواطف روحية، وقد أخذوا «ليلى» من «المجنون» فصيروها رمزا لمن يناجون في عالم الأرواح، والصلة قريبة بين عالم الحس وعالم الروح عند من ينظرون بعيون القلوب.

أرأيتم كيف كان للصوفية مكان بين أرباب الآداب؟

أما مكان الصوفية بين أرباب الأخلاق فهو الصدر، وهم أساتذة الناس في هذا الباب.

دعوا المتصوفين الجهلاء الذين يفسدون وهم يزعمون أنهم يصلحون، فإنما يحملون أوزارهم وأوزار أتباعهم يوم الدين، وتعالوا ننظر كيف كان ينظر الصوفية الموفقون إلى دقائق الأخلاق. ألا تذكرون ما نقلناه آنفا من مرثية ابن السماك لداود الطائي؟ ألا تذكرون كيف قال: «كان سيماك في سرك، ولم يكن سيماك في علانيتك»؟

إن هذه اللمحة لمن الدقائق في شرح أحوال القلوب.

وذكر الذين يلبسون الصوف عند الحسن البصري فقال: ما لهم، تفاقدوا تفاقدوا تفاقدوا، أكنوا الكبر في قلوبهم، وأظهروا التواضع في لباسهم؟! والله لأحدهم أشد عجبا بكسائه من صاحب المطرف بمطرفه!

23

ألا ترون كيف فطن إلى خفايا الرياء؟!

والذي ينظر في كتب الصوفية لا يحتاج إلى من ينبهه إلى ما فيها من مظاهر الذكاء والعقل والورع في فهم الأخلاق، وأهمية كتب القوم ترجع إلى ما فيها من الإلحاح في إحياء العزيمة والقلب، والتنفير من الإثم الظاهر والإفك الباطن، والدعوة إلى تظهير النفس من أدران الغفلة والرياء.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٣