حبيب على ما كان منه حبيب
يعد علي العاذلون ذنوبه
ومن أين للوجه المليح ذنوب؟
والرقيب أخو اللائم في تنغيص حياة العشاق، ومن طريف الشعر في الألم لقرب الرقيب قول ابن المعتز:
وا بلائي في محضر ومغيب
من حبيب مني بعيد قريب
لم ترد ماء وجهه العين إلا
شرقت قبل ريها برقيب
وقوله:
قد دنت الشمس للمغيب
وحان شوقي إلى الحبيب
طوبى لمن عاش عشر يوم
له حبيب بلا رقيب
وما أظرف من يقول:
لسهم الحب جرح في فؤادي
وذاك الجرح من عين الرقيب
يوكل ناظريه بنا ويحكي
مكان الكاتبين من الذنوب
فلو سقط الرقيب من الثريا
لصب على محب أو حبيب
وانظر كيف ضرب المثل بغفلة الرقيب في قول أحد الظرفاء:
يسقيك من كفه مداما
ألذ من غفلة الرقيب
كأنها إذ صفت ورقت
شكوى محب إلى حبيب
وقد كلف سعيد الوراق بغلام من الرهبان فأصبحوا وكلهم رقباء، وفيهم يقول:
بربك يا حمامة دير زكى
وبالإنجيل عندك والصليب
قفي وتحملي مني سلاما
إلى قمر على غصن رطيب
حماه جماعة الرهبان عني
فقلبي ما يقر من الوجيب
وقالوا رابنا إلمام سعد
ولا والله ما أنا بالمريب
وقولي سعدك المسكين يشكو
لهيب جوى أحر من اللهيب
فصله بنظرة لك من بعيد
إذا ما كنت تمنع من قريب
وإن أنا مت فاكتب حول قبري
محب مات من هجر الحبيب
رقيب واحد تنغيص عيش
فكيف بمن له ألفا رقيب؟
إنه لا بد مقتول، كما قتل صاحب هذه الأبيات!
| رؤية الضمير
ومن المحبين من يرى محبوبه في ضميره، كلما اشتاق إليه، كما قال الحكم بن قنبرة:
إن كنت لست معي فالذكر منك معي
يرعاك قلبي وأن غيبت عن بصري
العين تبصر من تهوى وتفقده
وناظر القلب لا يخلو من النظر
وقال آخر:
أما والذي لو شاء لم يخلق الهوى
لئن غبت عن عيني ما غبت عن قلبي
ترينيك عين الوهم حتى كأنني
أناجيك من قرب وإن لم تكن قربي
وقال أبو عثمان الناجم:
لئن كان من عيني أحمد غائبا
فما هو عن عين الضمير بغائب
له صورة في القلب لم يقصها النوى
ولم تتخطفها أكف النوائب
إذا ساءني يوما شحوط مزاره
وضاقت بقلبي في نواه مذاهبي
عطفت على شخص له غير نازح
محلته بين الحشا والترائب
ويقرب من هذا المعنى قول الآخر في الاستعانة باسم الحبيب:
وليل وصلنا بين قطريه بالسرى
وقد جد شوق مطمع في وصالك
أطلت علينا من دجاه حنادس
أعدن الطريق النهج وعر المسالك
فناديت يا أسماء باسمك فانجلت
وأسفر منها كل أسود حالك
بنا أنت من هاد نجونا بذكره
وقد نشبت فينا أكف المهالك
منحتك إخلاصي وأصفيتك الهوى
وإن كنت لما تخطريني ببالك
وفي مثل هذا المعنى يقول إسحاق الموصلي:
صب يحث مطاياه بذكركم
وليس ينساكم إن حل أو سارا
لو يستطيع طوى الأيام نحوكم
حتى يبيع بعمر القرب أعمارا
يرجو النجاة من البلوى بقربكم
والقرب يلهب في أحشائه النارا
| القلب والكبد
موطن الحب هو القلب، في حديث الشعراء، وقد أثبت أخيرا أحد الأطباء الألمان أن موطن الحب هو الكبد، ونريد أن نذكر هنا طرفا من حديث العرب عن الكبد، وقرار الحب فيه، بما يماثل هذا الرأي الجديد. قال بعض الأعراب:
فيا كبدا يحمى عليها وإنها
مخافة هيضات النوى لخفوق
أقام فريق من أناس يودهم
بذات الغضا قلبي وبان فريق
بحاجة محزون يظل وقلبه
رهين ببضات الحجال صديق
وجرى ذكر القلب والكبد في كلمة صردر حين قال:
لا الحمى بعدكم مناخ ولا ما
ء اللوى إذ هجرتموه بورد
والفؤاد الذي عهدتم جموحا
راضه طول جوركم والتعدي
ما تريدون من دلائل شوقي
غير هذا الذي أجن وأبدي
كبد كلما وضعت عليه
راحتي قال أنت قادح زندي
وجفون جرين مدا وماء ال
بحر يرتاح بين جزر ومد
وكذلك جمع بينهما البحتري حين قال:
وما كبدي بالمستطيعة للأذى
فأسلو ولا قلبي كثير التقلب
وابن الأحنف حين قال:
ما للكلوم التي بالقلب من آسي
فاصبر على اليأس يا مستقبل الياس
ما أسمج الناس في عيني وأقبحهم
إذا نظرت فلم أبصرك في الناس
حتى متى كبدي حرى معطشة
ولا يلين لشيء قلبك القاسي