والشاهد في الأبيات الأخيرة، وما أوجع تلفت القلب بعد العين في قول الشريف:
تلفت حتى لم يبن من بلادكم
دخان ولا من نارهن وقود
وإن التفات القلب من بعد طرفه
طوال الليالي نحوكم ليزيد
ولما تدانى البين قال لي الهوى
رويدا وقال القلب أين تريد
أتطمع أن تسلو على البعد والنوى
وأنت على قرب المزار عميد
ولو قال لي الغادون ما أنت مشته
غداة جزعنا الرمل قلت أعود
4
أأصبر والوعساء بيني وبينكم
وأعلام خبت، إنني لجليد!
وانظر قوله من كلمة ثانية:
ترحلت عنكم لي أمامي نظرة
وعشر وعشر نحوكم من روائيا
ومن حذر لا أسأل الركب عنكم
وأعلاق وجدي باقيات كما هيا
ومن يسأل الركبان عن كل غائب
فلا بد أن يلقى بشيرا وناعيا
| الصد والنوى
يأسى العشاق للصد، حتى إذا راعتهم مرارة النوى، علموا أن الصد كان حلو المذاق. وفي هذا المعنى يقول ابن الخياط:
كفي حزنا أنى أبيت معذبا
بنار هموم ليس يخبو سعيرها
وأن عدوي لا يراع وأنني
أبيت سخين العين وهو قريرها
وأني لرهن الشوق والشمل جامع
فكيف إذا حث الحداة أميرها
وما زلت من أسر القطيعة باكيا
فمن لي غداة البين أني أسيرها
وكنت أرى أن الصدود منية
يكون مع الليل التمام حضورها
فلما قضى التفريق بالبعد بيننا
وجدت الليالي كان حلوا مريرها
هوى ونوى يستقبح الصبر فيهما
وحسبك من حال يذم صبورها
وقد أصاب في تشبيه النوى بعد الهجر، بالجرح بعد الجرح حين قال:
أحن إلى سقمي لعلك عائدي
ومن كلف أني أحن إلى السقم
وحتام أستشفي من الداء ما به
سقامي وأستروي من الدمع ما يظمي
فراق أتى في إثر هجر وما أذى
بأوجع من كلم أصاب على كلم
وحنين المحب إلى سقمه، أملا في أن يعوده حبيبه، يذكرنا بقول كثير:
يود بأن يمسي سقيما لعلها
إذا سمعت عنه بشكوى تراسله
| القريب والبعيد
هو الحبيب الذي يجاورك، أو يساكنك، ثم لا تملك وصله، ولا حديثه. وقد تزوره بلمح العين. كما قال ابن الدمينة:
ألا حب بالبيت الذي أنت هاجره
وأنت بتلماح من الطرف زائره
فيا لك من بيت لعيني معجب
وأحسن في عيني من البيت عامره
أصد حياء أن يلج بي الهوى
وفيك المنى لولا عدو أحاذره
وفي هذا المعنى يقول إبراهيم بن العباس:
تدانت بقوم عن تناء زيارة
وشط بليلى عن دنو مزارها
وإن مقيمات بمنعرج اللوى
لأقرب من ليلى وهاتيك دارها
والشعراء يشبهون الحبيب الممنوع في قربه، بالماء يمنع من وروده الظمآن، فنجد منهم من يقول:
إني وإياك كالصادي رأى نهلا
ودونه هوة يخشى بها التلفا
رأى بعينيه ماء عز مورده
وليس يملك دون الماء منصرفا
ومن يقول:
وإني على هجران بيتك كالذي
رأى نهلا ريا وليس بناهل
يرى برد ماء ذيد عنه وروضة
برود الضحى فينانة بالأصائل
وقد صور جميل هذا المعنى حين قال:
وما صاديات حمن يوما وليلة
على الماء يخشين العصي حواني
حوائم لم يصدرن عنه لوجهة
ولا هن من برد الحياض دواني
يرين حباب الماء والموت دونه
فهن لأصوات السقاة رواني
بأكثر مني غلة وصبابة
إليك ولكن العدو عراني
وقال أبو حية النميري أو العباس بن الأحنف:
كفي حزنا أني أرى الماء باديا
لعيني ولكن لا سبيل إلى الورد
وما كنت أخشى أن تكون منيتي
بكف أعز الناس كلهم عندي
| حلاوة الملام
ومن المحبين من يستعذب اللوم، لذكر الحبيب، كما قال أبو نواس:
أحب اللوم فيها ليس إلا
لترداد اسمها فيما ألام
ويدخل حبها في كل قلب
مداخل لا تغلغلها المدام
وفي هذا المعنى يقول محمد بن أبي أمية:
وحدثني عن مجلس كنت زينه
رسول أمين والنساء شهود
فقلت له رد الحديث الذي مضى
وذكرك من بين الحديث أريد
وقد ظرف البها زهير حين قدم رضى الحبيب على رضى العذول، وقال:
يا من يهدد بالصدو
د نعم تقول وتفعل
قد صح عذرك في الهوى
لكنني أتعلل
قل للعذول لقد أطل
ت لمن تلوم وتعذل
عاتبت من لا يرعوي
وعذلت من لا يقبل
غضب العذول أخف من
غضب الحبيب وأسهل
وما أبدع قول أبي فراس:
أساء فزادته الإساءة حظوة