تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأود لو تأمل القارئ قوله: (وعاص يرى في النوم وهو مطاوع) فطالما قدم النوم هؤلاء العصاة وهم للحب خاضعون.

وأصل هذا المعنى لقيس بن الملوح في قوله:

وإني لأستغشي وما بي نعسة

لعل خيالا منك يلقى خياليا

وأخرج من بين الجلوس لعلني

أحدث عنك النفس في السر خاليا

تقطع أنفاسي بذكرك أنفسا

يردن فما يرجعن إلا صواديا

وأوضح منه قول قيس بن ذريح:

وإني لأهوى النوم في غير نعسة

لعل لقاء في المنام يكون

تخبرني الأحلام أني أراكم

فيا ليت أحلام النيام يقين

والظاهر أن نعمة الطيف لا تسوي بين العشاق جميعا؛ فهي عند بعضهم لوعة وغليل، فقد جعلها حسين بن الضحاك قناعة تقضي بها الضرورة حين يقول:

وماذا يفيدك طيف الخيا

ل والهجر حظك ممن تحب

غناء قليل ولكنني

تمنيته بقنوع المحب

ومن الشعراء من يعجب لزيارة الخيال، كأن يزوره الطيف وهو سجين، كقول جعفر بن علبة:

عجبت لمسراها وأنى تخلصت

إلي وباب السجن دوني مغلق

ألمت فحيت ثم قامت فودعت

فلما تولت كادت النفس تزهق

فلا تحسبي أني تخشعت بعدكم

لشيء ولا أني من الموت أفرق

ولا أن نفسي يزدهيها وعيدهم

ولا أنني بالمشي في القيد أخرق

ولكن عرتني من هواك صبابة

كما كنت ألقى منك إذ أنا مطلق

وقد ترفق زياد بن حمل فعجب كيف زاره طيف حبيبته مع أنها ضعيفة المشي مكسال، وذلك قوله من قصيدة طويلة:

زارت رويقة شعثا بعدما هجعوا

لدي نواحل في أرساغها الخدم

وقمت للزور مرتاعا فأرقني

فقلت أهي سرت أم عادني حلم

وكان عهدي بها والمشي يبهظها

من القريب ومنها النوم والسأم

وبالتكاليف تأتي بيت جارتها

تمشي الهوينا وما تبدو لها قدم

سود ذوائبها بيض ترائبها

درم مرافقها في خالها عمم

رويق إني وما حج الحجيج له

وما أهل بجنبي نخلة الحرم

لم ينسني ذكركم مذ لم ألاقكم

عيش سلوت به عنكم ولا قدم

ولم تشاركك عندي بعد غانية

لا والذي أصبحت عندي له ذمم

ومن هذا يعتذر فريق من الشعراء من هجر الطيف لبعد الشقة كقول ابن عنين:

سامحت كتبك في القطيعة عالما

أن الصحيفة أعوزت من حامل

وعذرت طيفك في الجفاء لأنه

يسري فيصبح دوننا بمراحل

وقال كشاجم في مثل العذر الطريف:

لقد بخلت حتى بطيف خيالها

علي وقالت رحمة لنحيبي

أخاف على طيفي إذا جاء طارقا

وسادك أن يلقاه طيف رقيبي

طرف أدبية

وقد يكون من المستملح أن نذكر جملة من الطرف تتناسب مع طيف الخيال. فمن ذلك ما أرسله بعض الشعراء إلى الحسن بن سهل:

رأيت في النوم أني راكب فرسا

ولي وصيف وفي كفي دنانير

فقال قوم لهم فهم ومعرفة

رأيت خيرا وللأحلام تعبير

رؤياك فسر غدا عند الأمير تجد

في الحلم درا وفي النوم التباشير

فوقع في أسفل الكتاب «أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين»! ودخل بعض الشعراء على بشر بن مروان فأنشده:

أغفيت عند الصبح نوم مسهد

في ساعة ما كنت قبل أنامها

فرأيت أنك رعتني بوليدة

رعبوبة حسن علي قيامها

وببدرة حملت إلي وبغلة

دهماء مشرقة يصل لجامها

فدعوت ربي أن يثيبك جنة

عوضا يصيبك بردها وسلامها

فقال له: أبشر في كل شيء الا البغلة فإني لا أملك إلا شهباء! فقال: امرأتي طالق إن كنت رأيتها إلا شهباء غير أني غلطت!

ونقل عن أبي العبر أنه كان عنده حمار فمات فرآه في النوم ينشد شعرا يقول فيه إنه مات عاشقا، فسأله المتوكل ما الذي كان من شأنه؟ فقال: كان يا أمير المؤمنين أعقل من القضاة، ليس له هفوة ولا زلة! فاعتل على حين غفلة، فمات، فرأيته في النوم فقلت له: ألم أنق لك الشعير وأبرد لك الماء، فما سبب موتك؟ فقال: أتذكر إذ وقفت على باب الصيدلاني؟ قلت: نعم، قال: مرت إذ ذاك أتان فافتتنت بها ومت. فقلت: وهل قلت شيئا في ذلك؟ فقال: نعم وأنشد:

هام قلبي بأتان

عند باب الصيدلاني

تيمتني يوم رحنا

بثناياها الحسان

وبخد ذي دلال

مثل خد الشيقران

فبها مت ولو عش

ت إذن طال هواني

فقال له: يا أبا معاذ، وما الشيقران؟ فقال: أنا مشغول بما أنا فيه، وهذا كلام تعرفه الحمير، فإذا رأيتم حمارا، أو من كان أولا حمارا، فاسألوه! فضحك المتوكل حتى استلقى على قفاه، ثم أمر له بعشرة آلاف درهم، جزاء بما أبدع في هذا الخيال.

مدامع العشاق · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدامع العشاقص ٢٦