وجدد طيفها عتبا علينا
فما يعتادنا إلا لماما
وربت ليلة قد بت أسقى
بعينيها وكفيها المداما
قطعنا الليل لثما واعتناقا
وأفنيناه ضما والتزاما
وقد تعجب لتشبيه الزائر النحيل بالطيف الطروق: انظر قوله:
وزور أتاني طارقا فحسبته
خيالا أتى من آخر الليل يطرق
أقسم فيه الظن طورا مكذبا
به أنه حق وطورا أصدق
أخاف وأرجو بطل ظني وصدقه
فلله ظني حين أرجو وأفرق
وقد ضمنا وشك التلاقي ولفنا
عناق على أعناقنا ثم ضيق
فلم نر إلا مخبرا عن صبابة
بشكوى وإلا عبرة تترقرق
فأحسن بنا والدمع بالدمع واشج
تمازجه والخد بالخد ملصق
ومن قبل قبل التشاكي وبعده
نكاد بها من شدة الوجد نشرق
فلو فهم الناس التلاقي وحسنه
لحبب من أجل التلاقي التفرق
وقد يأسى البحتري ويشجى حين لا تبقي له الليالي غير الذكرى والخيال، تأمل قوله:
حبيب نأى إلا تعرض ذكرة
له أو ملم طائف من خياله
أأمنع في هجرانه من صبابة
وقد كنت صبا مغرما في وصاله
ويأمرني بالصبر من ليس وجده
كوجدي ولا إعلان حالي كحاله
فإن أفقد العيش الذي فات باللوى
فقدما فقدت الظل عند انتقاله
ولقد أذكر أني قرأت منذ سنين رواية (رافاييل) وهي بدعة في الآداب الفرنسوية. فأقسمت لأزورن إن استطعت قبر (لامارتين) واليوم أقسم إن استطعت لأزورن قبر البحتري!
أليس هو القائل في طيف الخيال:
أترى حبي لسعدى قاتلي
وإذا ما أفرط الحب قتل
خطرت في النوم منها خطرة
خطرة البدر بدا ثم اضمحل
أي زور لك أو قصدا سرى
وملم منك أو حقا فعل
يتراءى والكرى في مقلتي
فإذا فارقها النوم بطل
ولتقي الدين السروجي قصيدة بديعة ختمها ببيتين في الخيال، وقد زاره فما حققه لفرط سروره به، ثم ولى عنه فما درى كيف يدركه، ولا عرف كيف يلحقه. قال:
أنعم بوصلك لي فهذا وقته
يكفي من الهجران ما قد ذقته
أنفقت عمري في هواك وليتني
أعطى وصولا بالذي أنفقته
يا من شغلت بحبه عن غيره
وسلوت كل الناس حين عشقته
كم جال في ميدان حبك فارس
بالصدق فيك إلى رضاك سبقته
أنت الذي جمع المحاسن وجهه
لكن عليه تصبري فرقته
قال الوشاة قد ادعى بك نسبة
فسررت لما قلت قد صدقته
بالله إن سألوك عني قل لهم
عبدي وملك يدي وما أعتقته
أو قيل مشتاق إليك فقل لهم
أدري بذا وأنا الذي شوقته
يا حسن طيف من خيالك زارني
من فرحتي بلقاك ما حققته
فمضى وفي قلبي عليه حسرة
لو كان يمكنني الرقاد لحقته
والشعراء يشكون غالبا ألا يمكث الطيف طويلا. وقد شذ الطغرائي فذكر أن محبوبته عتبت عليه لغيبة الطيف عنده، وطول مكثه لديه. وذلك قوله:
بعثت إلي تلومني في هجعة
أهدت إلي خيالها المذعورا
وتقول ما للطيف أبطأ بعدما
كنا اشترطنا أن يقيم يسيرا
فأجبتها بالعذر وهو مبين
لو كان ينصف لائم معذورا
أطبقت أجفاني عليه وسمته
خوض الدموع فما استطاع عبورا
وهذا الخيال على طرافته منتقد؛ فإن الطيف لا يدخل العين، حتى يضطر إلى عبور الدمع، وهدى الله قوما يحسبون هذا الشعر من وثبات الخيال!
قالوا: وأول من طرد الطيف طرفة بن العبد في قوله:
فقل لخيال العامرية ينقلب
إليها فإني واصل حبل من وصل
وتبعه جرير فقال:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا
وقت الزيارة فأرجعي بسلام
وهذا حدس وتخمين، فإنه ليس إلى توقيت النوازع القلبية من سبيل.
ومن طريف الشعر في طرد الخيال قول ابن هانئ الأندلسي:
ألا طرقتنا والنجوم ركود
وفي الحي أيقاظ ونحن هجود
وقد أعجل الفجر الملمع خطوها
وفي أخريات الليل منه عمود
سرت عاطلا غضبى من الدر وحده
فلم يدر نحر ما دهاه وجيد
فما برحت الا ومن سلك أدمعي
قلائد في لباتها وعقود
ألم يأتها أنا كبرنا عن الصبا
وأنا بلينا والزمان جديد
ومن الشعراء من يعتذر عن النوم في بعد الحبيب باحتياله لزيارة الخيال. انظر قول علي الإيادي:
أما أنه لولا الخيال المراجع
وعاص يرى في النوم وهو مطاوع
لأشفق واستحيا من النوم واله
يرى بعد روعات النوى وهو هاجع