تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الله يعلم كم بالقلب من ألم

ومن غرام بأحشائي ومن سقم

على فراق فريق حل في الحرم

فقلت لما همى دمعي بمنسجم

على العقيق عقيقا غير منسجم

أمن تذكر جيران ... إلخ

وسبعها محمد المصري، وقد تقدم أنه من شراح البردة، والتزم في التسبيع أن يذكره أولا مصدرا بلفظ محمد، كقوله في المطلع:

محمد جاء بالآيات والحكم

مبشرا ونذيرا جملة الأمم

وهو معارضة للمكي الذي التزم لفظ الجلالة في أول تسبيع لكل بيت. (7)

وليس لتعشير البردة شواهد كثيرة، ولا نعرف غير نسخة ضمن مجموعة مخطوطة بدار الكتب المصرية، والناظم مجهول، وهذا النمط من توشية الشعر قليل. (8)

أما الذين عارضوا البردة، فيعدون بالعشرات، منهم والد مؤلف كتاب الكشكول،

2

ويمكن القول بأن جميع المدائح النبوية التي قيلت بعد البوصيري على الوزن والقافية كان أصحابها مسوقين بالروح البوصيرية، ولم يمض عصر إلا وللبردة فيه طراز، وأشهر من عارضوها أخيرا محمود سامي البارودي الذي سمى قصيدته: «كشف الغمة في مدح سيد الأمة» وعدد أبيات هذه القصيدة 447، والمطلع:

يا رائد البرق يمم دارة العلم

واحد الغمام إلى حي بذي سلم

وأحمد شوقي، وسمى قصيدته «نهج البردة»، وقد نظمها في سنة 1327ه، والمطلع:

ريم على القاع بين البان والعلم

أحل سفك دمي في الأشهر الحرم

وكان المرحوم الشيخ أحمد الحملاوي أسمعنا في درسه قصيدة سماها: «منهاج البردة» نظمها في طريقه إلى الحج، والمطلع:

يا غافر الذنب من جود ومن كرم

وقابل التوب من جان ومجترم

ومسبل الستر إحسانا ومرحمة

على العفاة بفيض الفضل والكرم

اقبل متابي واغفر ما جنته يدي

واستر عيوبي وباعدني عن التهم (9)

مات البوصيري سنة 696ه، وبعد موته بسنتين ولد أبو عبد الله محمد بن أحمد المعروف بابن جابر الأندلسي، وكان ضريرا، ولكن لم تمنعه تلك العاهة القاسية من الرحلة إلى المشرق، فدخل مصر والشام، واستوطن حلب، ثم رجع إلى الأندلس فتوفي في ألبيرة في جمادى الآخرة سنة 780ه.

3

وقد افتتن ابن جابر بقصيدة البردة وظهر أثرها في شعره كقوله:

يا أهل طيبة في مغناكمو قمر

يهدي إلى كل محمود من الطرق

كالغيث في كرم والليث في حرم

والبدر في أفق والزهر في خلق

وقوله:

أما معاني المعاني فهي قد جمعت

في ذاته فبدت نارا على علم

كالبدر في شيم والبحر في ديم

والزهر في نعم والدهر في نقم

وقد شغل نفسه بمعارضة البردة، ولكن أي معارضة؟ لقد ابتكر فنا جديدا هو «البديعيات»، وذلك أن تكون القصيدة في مدح الرسول، ولكن كل بيت من أبياتها يشير إلى فن من فنون البديع، ومطلع هذه البديعية:

بطيبة انزل ويمم سيد الأمم

وانشر له المدح وانثر أطيب الكلم

وقد رأى معاصرو ابن جابر قيمة هذا الفن، فتقدم صديقه أبو جعفر الألبيري لشرح بديعيته، واعترف له بالسبق؛ إذ قال في مقدمة الشرح: «نادرة في فنها، فريدة في حسنها، تجني ثمر البلاغة من غصنها، وتنهل سواكب الإجادة من مزنها، لم ينسج على منوالها، ولا سمحت قريحة بمثالها.»

وشرحها أبو جعفر بن يوسف الغرناطي الأندلسي المتوفى سنة 779ه واختصر هذا الشرح محمد بن إبراهيم البشتكي المتوفى سنة 830ه.

وهذه الشروح تمثل الحفاوة التي قوبلت بها تلك البديعية.

وفي عصر ابن جابر وضع صفي الدين الحلي المتوفى سنة 750ه قصيدة سماها: «الكفاية البديعية في المدائح النبوية»، وأنشأ عز الدين الموصلي المتوفى سنة 789ه قصيدة بديعية، عقبها بشرح سماه: «التوصل بالبديع إلى التوسل بالشفيع»، وجاء ابن حجة الحموي المتوفى سنة 837ه، فنظم بديعية سنتكلم عنها بشيء من التفصيل، وجاء ابن المقري المتوفى سنة 837ه، فأنشأ بديعية سماها: «الجواهر اللامعة، في تجنيس الفرائد الجامعة للمعاني الرائعة»، ثم جاء السيوطي فعارض ابن حجة ببديعية سماها: «نظم البديع، في مدح خير شفيع»، ثم اندفع الناس في هذا الفن: فللسيدة الباعونية بديعيتان، ولأبي الوفاء بن عمر الفرضي بديعية، وللسيد عبد الهادي الإبياري بديعية، وللشيخ طاهر الجزائري بديعية، ولابن خير الله الخطيب العمري بديعية، ولعبد الغني النابلسي بديعيتان، ولقاسم بن محمد الحلبي بديعية، ولصدر الدين الحسيني بديعية، ولشعبان الآثاري بديعية.

المدائح النبوية في الأدب العربي · الصفحة ٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المدائح النبوية في الأدب العربيص ٤٨