تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي دار الكتب المصرية شروح أخر لم يعرف مؤلفوها.

ولأكثر هذه الشروح أسماء شعرية، مثل: «الرقم على البردة»، و«راحة الأرواح»، و«الجوهرة الفردة في شرح البردة»، و«الزبدة الرائقة في شرح البردة الفائقة»، و«عصيدة الشهدة في شرح البردة»، و«وردة المليح في شرح بردة المديح».

والبردة نفسها سماها المؤلف «الكواكب الدرية في مدح خير البرية».

وعند النظر في هذه الشروح نراها مجموعات نفيسة تزخر بالفقرات اللغوية، والأدبية ، والتاريخية، وشغل هؤلاء الشراح بالأدب واللغة والتاريخ يرجع الفضل فيه إلى تصوف ذلك الشاعر المجيد. (3)

وأما أثرها في الدرس، فيتمثل في تلك العناية التي كان يوجهها العلماء الأزهريون إلى عقد الدروس في يومي الخميس والجمعة لدراسة حاشية الباجوري على البردة، وهي دروس كانت تتلقاها جماهير من الطلاب، وإنما كانوا يتخيرون يومي الخميس والجمعة لأن مثل هذا الدرس لم يكن من المقررات، فكانوا يتخيرون له أوقات الفراغ.

ولنتذكر أنه مضت سنون لم يكن يعرف فيها الأزهر كيف تكون دروس التاريخ الإسلامي، فكانت البردة وشروحها مما يسد النقص الفاحش في معهد ديني يجهل أهله غزوات الرسول. (4)

وأما أثر البردة في الشعر والشعراء، فعظيم جدا، فقد ضمنوها، وشطروها، وخمسوها، وسبعوها، وعشروها، وعارضوها، فمن الذين ضمنوها الشيخ قاسم (ولم نقف له على ترجمة) وأول تضمينه:

أمن تذكر أوطان على علم

أم من تفقد جيران بذي سلم

مزجت دمعا جرى كالقطر منهمرا

يجري على وجنة من مقلة بدم

ومن الذين شطروها أحمد بن شرقاوي الخلفي - نسبة إلى قرية يقال لها: الخليفة ملاصقة لمدينة جرجا، وبها توفي في سحر ليلة الجمعة التاسع عشر من شهر ذي القعدة سنة 1250ه - وأول التشطير:

أمن تذكر جيران بذي سلم

أصبحت ذا خلد بالوجد مصطلم

أم من تفتت قلب في الحشا شغفا

مزجت دمعا جرى من مقلة بدم

وأحمد بن عبد الوهاب الجرجاوي المتوفى سنة 1254ه، وأول التشطير:

أمن تذكر جيران بذي سلم

تصبب الدمع يجري حاكي الديم

وأحمد بن عثمان العوامي المدفون بجرجا (ولم يعلم تاريخ وفاته) وأول التشطير:

أمن تذكر جيران بذي سلم

جزمت أنك مقصور على الألم

وعندما هاجت الذكرى ولوعتها

مزجت دمعا جرى من مقلة بدم

ورمضان حلاوة من علماء آخر القرن الثالث عشر، وأوائل الرابع عشر، وأول تشطيره:

أمن تذكر جيران بذي سلم

لبست ثوبا من الأشواق والألم

أم من عيون ظباء بالعقيق بدت

مزجت دمعا جرى من مقلة بدم

وأبو الهدى الصيادي، وأحمد الحفظي، وعبد الرحيم الجرجاوي، ومحمد فرغلي الطهطاوي، وشطرها أخيرا سعادة عبد العزيز بك محمد، ومطلع تشطيره:

أمن تذكر جيران بذي سلم

فاضت شئونك ملتاعا لبينهم

أم من فؤادك مكلوما لوحشتهم

مزجت دمعا جرى من مقلة بدم

وقد نالته بركتها فعين وزيرا للأوقاف، ولعله يخمسها فيعين رئيسا للوزراء. (5)

وأما الذين خمسوها فيبلغ عدد من عرفنا أخبارهم نحو الثمانين، وفي دار الكتب المصرية مجموعة في تخاميس البردة تشتمل على تسعة وستين تخميسا، ومن أمثلة ذلك قول ناصر الدين الفيومي:

ما بال قلبك لا ينفك ذا ألم

مذ بان أهل الحمى والبان والعلم

وانحل مدمعك القاني بمنسجم

أمن تذكر جيران بذي سلم

مزجت دمعا جرى من مقلة بدم

ولم نر موجبا لعرض مطالع تلك التخميسات، فهي كثيرة، وقد شغلت نحو خمس صفحات من فهرس الأدب بدار الكتب المصرية، فمن احتاج إلى بيانها فليرجع إليها هناك.

ولكن لا بد من التنبيه إلى أن الذين خمسوا البردة لم يكونوا جميعا مصريين؛ ففيهم رجال من المغرب والشام والعراق، وفي هذا ما يدل على أنها شغلت الشعراء في أكثر الأقطار الإسلامية. (6)

ومن الذين سبعوها شهاب الدين أحمد بن عبد الله المكي، وقد التزم في أول كل تسبيع لبيت من أبيات البردة أن يذكر لفظ الجلالة، وأول التسبيع:

المدائح النبوية في الأدب العربي · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المدائح النبوية في الأدب العربيص ٤٧