تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والكميت نفسه يشعر بخطر هذه القصائد، فيقول في ختام اللامية:

فدونكموها يال أحمد إنها

مقللة لم يأل فيها المقلل

6

مهذبة غراء في غب قولها

غداة غد تفسير ما قال مجمل

أتتكم على هول الجنان ولم تطع

لنا ناهيا ممن يئن ويرحل

وما ضرها أن كان في الترب ثاويا

زهير وأودى ذو القروح وجرول

وهذا الزهو يحدثنا بأفصح بيان عن اطمئنان الكميت إلى قوة هذه القصائد الطوال، وهو يضع نفسه في منزلة زهير وامرئ القيس والحطيئة، في أيام كان فيها أولئك الشعراء من السباقين الذين لا يشق لهم غبار. (4)

ولا مندوحة لنا من الإشارة إلى ما في تلك القصائد من بعض السمات الجاهلية، فوصف الناقة له في تلك المطولات مكان، وكان وصف الناقة من البدع الشعرية التي أذاعها الجاهليون وتابعهم فيها فريق من الشعراء الإسلاميين، وهي بدعة كان يوحيها ظرف الزمان والمعاش، ولكنها تحولت إلى موضوع فني يتسابق إلى التجويد فيه كبار الشعراء بسبب ما في النوق من الجمال. (5)

ومن مظاهر التجديد في الفن الشعري عند الكميت هو زهده في بكاء الأطلال والرسوم، وقصر هواه على الحنين إلى أهل البيت، وسينتهب أبو نواس هذه اللفتة، وسيقول الناس - وقد قالوا - إن أبا نواس هو أول من زهد في بكاء الرسوم والأطلال، فلنعلم الآن أن الكميت هو صاحب هذه البدعة الشعرية، والفرق بين الرجلين: أن الكميت ينصرف عن بكاء الدمن الدوارس ليمدح أهل البيت، رهط الرسول، أما أبو نواس فينصرف عن وصف الديار الخالية ليقف همه على وصف الخمر ومجالس الشراب. (6)

والكميت لا يمدح أهل البيت لذواتهم، وإنما يعلل مدحه إياهم بقرابتهم من الرسول، كقوله في البائية الكبرى:

إلى النفر البيض الذين بحبهم

إلى الله فيما نالني أتقرب

بني هاشم رهط النبي فإنني

بهم ولهم أرضى مرارا وأغضب

وقوله في الميمية:

أسرة الصادق الحديث أبي القا

سم فرع القدامس القدام

7

خير حي وميت من بني آ

دم طرا مأمومهم والإمام

كان ميتا جنازة خير ميت

غيبته مقابر الأقوام

وجنينا ومرضعا ساكن المه

د وبعد الرضاع عند الفطام

خير مسترضع وخير فطيم

وجنين أقر في الأرحام

وغلاما وناشئا ثم كهلا

خير كهل وناشئ وغلام

أنقذ الله شلونا من شفا النا

ر به نعمة من المنعام

لو فدى الحي ميتا قلت نفسي

وبني الفدا لتلك العظام

وقوله أيضا في تلك البائية وهو يقارع الأمويين:

وقالوا ورثناها أبانا وأمنا

وما ورثتهم ذاك أم ولا أب

يرون لهم حقا على الناس واجبا

سفاها وحق الهاشميين أوجب

ولكن مواريث ابن آمنة الذي

به دان شرقي لكم ومغرب

فدى لك موروثا أبي وأبو أبي

ونفسي ونفسي بعد بالناس أطيب

بك اجتمعت أنسابنا بعد فرقة

فنحن بنو الإسلام ندعى وننسب

حياتك كانت مجدنا وسناءنا

وموتك جدع للعرانين موعب

وأنت أمين الله في الناس كلهم

عليها وفيها اختار شرق ومغرب

فبوركت مولودا وبوركت ناشئا

وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيب

وبورك قبر أنت فيه وبوركت

به وله أهل لذلك يثرب

لقد غيبوا برا وصدقا ونائلا

عشية واراك الصفيح المنصب

وهذه الشواهد تكفي للدلالة على أن مدح أهل البيت عند هذا الشاعر فرع من المدائح النبوية، فأهل البيت يكرمون عليه لأنهم أسباط الرسول، ولولا هذه الآصرة لما انعطف إليهم كل هذا الانعطاف. (7)

ولكن ما هي كبرى هذه القصائد وأحقها بالخلود؟

إن القدماء مجمعون على أن البائية الأولى هي خير تلك القصائد، والكميت نفسه يرى هذا الرأي، أما أنا فأرى اللامية أضخم وأفحل، ولا عجب في أن يختلف رأي الشاعر والناقد؛ فإن الناقد يتفق له أحيانا أن يرى ما لا يرى الشاعر في الحكم على قصائده، ولكل منهما وجهة، فالشاعر يقدم إحساسه الخاص، والناقد ينظر إلى نواح فنية قد لا يتنبه إليها الشاعر في بعض الأحيان، ألا يقع في كل يوم أن يتعصب الأب لأحد أبنائه على حين يرى الناس ذلك الابن أقل إخوته علما، وأضعفهم رأيا، وأسقمهم بيانا؟

المدائح النبوية في الأدب العربي · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المدائح النبوية في الأدب العربيص ٢٦