تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والهاشميون أنفسهم لو حاولوا التخلق بأخلاق الأمويين لانهزموا في ميدان الدنيا وميدان الدين، وقوة الرجل أن يقف حيث وقفته الفطرة، فيقسو ويرق وفقا لما في فطرته من عناصر العنف واللين. (2)

أقول هذا لأبين أثر السذاجة في أحكام هذا الشاعر من الوجهة النفسية، فهو حين يمدح الهاشميين بكرم الأخلاق يقف عند الشمائل الصريحة التي يتحلى بها أهل الشهامة والنبل، فيقول:

بل هواي الذي أجن وأبدي

لبني هاشم فروع الأنام

للقريبين من ندى والبعيدي

ن من الجور في عرى الأحكام

والمصيبين باب ما أخطأ النا

س ومرسي قواعد الإسلام

والحماة الكفاة في الحرب إن لف

ضرام وقوده بضرام

والغيوث الذين إن أمحل النا

س فمأوى حواضن الأيتام

والولاة الكفاة للأمر إن طر

ق يتنا بمجهض أو تمام

والأساة الشفاة للداء ذي الري

بة والمدركين بالأوغام

لكثيرين طيبين من النا

س وبرين صادقين كرام

واضحي أوجه كرام جدود

واسطي نسبة لهام فهام

للذرى فالذرى من الحسب الثا

قب بين القمقام فالقمقام

1

راجحي الوزن كاملي العدل في السي

رة طببن بالأمور العظام

مستفيدين متلفين مواهي

ب مطاعيم غير ما أبرام

2

ومداريك للذحول متاري

ك وإن أحفظوا لعور الكلام

3

لا حباهم تحل للمنطق الشغ

ب ولا للطام يوم اللطام

وإذا الحرب أومضت بسنا الحر

ب وسار الهمام نحو الهمام

فهم الأسد في الوغى لا اللواتي

بين خيس العرين والآجام

أسد حرب غيوث جدب بهالي

ل مقاويل غير ما أفدام

4

لا مهاذير في الندي مكاثي

ر ولا مصمتون بالإفحام

وهم الآخذون من ثقة الأم

ر بتقواهم عرى لا انفصام

ومحلون محرمون مقرو

ن لحل قراره وحرام

وتلك أخلاق صريحة كلها شرف ونبل، وهي تمثل فهم الكميت لخلائق الأشراف، وأهل البيت في شعره رجال بررة، كرام، شجعان، فصحاء لا يكثرون في هذر، ولا يصمتون مفحمين، وهم فوق ذلك كله يعتصمون بالتقوى فلا يحلون ولا يحرمون إلا بوحي الدين الحنيف.

وهم مع هذه الأخلاق الصريحة ساسة، ولكنهم ليسوا كالساسة الذين يرعون الناس كما يرعون الأنعام:

لا كعبد المليك أو كوليد

أو كسليمان بعد أو كهشام

رأيه فيهم كرأي ذوي الثل

ة في الثائجات جنح الظلام

5

جز ذي الصوف وانتقاء لذي المخ

ة نعقا ودعدعا بالبهام

من يمت لا يمت فقيدا وإن يح

ي فلا ذو إل ولا ذو ذمام

وهذه الأبيات تمثل رأيه في بني أمية، كل همهم أن يعاملوا الرعية معاملة الضأن: يجزون ذوات الصوف، ويأكلون السمينات.

وهجاء بني أمية عنصر أصيل من عناصر الهاشميات، وهو على كثرة ألوانه يرجع إلى أصلين؛ الأول: أن بني أمية انتهبوا الخلافة من غير حق، والثاني: أنهم ساروا في الناس سيرة الجور والاعتساف. (3)

ندع هذا، وننتقل إلى التعريف بالهاشميات فنقول:

أهم هذه القصائد أربع: بائيتان، مطلع الأولى:

طربت وما شوقا إلى البيض أطرب

ولا لعبا مني وذو الشوق يلعب

وعدة أبياتها 138، ومطلع الثانية:

أنى ومن أين آبك الطرب

من حيث لا صبوة ولا ريب

وعدة أبياتها 67، والثالثة لامية، ومطلعها:

ألا هل عم في رأيه متأمل

وهل مدبر بعد الإساءة مقبل

وعدة أبياتها 89، والرابعة ميمية، ومطلعها:

من لقلب متيم مستهام

غير ما صبوة ولا أحلام

وعدة أبياتها 102.

فهي إذن قصائد طوال، والذي عالج الشعر في اللغة العربية يعرف أن القصيدة لا تجاوز المائة بيت إلا حين تستبد بعقل الشاعر وخياله وهواه، فإن وحدة الوزن والقافية في الشعر العربي تفرض طبع الذهن على غرار موحد، وتدور بالشاعر حول أنغام موسيقية متماثلة الأوضاع. والشاعر الأوروبي الذي ينظم قصيدة من مائة بيت لا تحوم نفسه في جو واحد على نحو ما يفعل الشاعر العربي؛ لأن اختلاف الوزن والقافية في الأشعار اللاتينية والسكسونية يعطي فرصا من راحة النفس لا يظفر بها الشاعر العربي الذي يلتزم وحدة الوزن والقافية، ونخرج من هذا بنتيجة محتومة: هي أن الكميت احتفل بهاشمياته كل الاحتفال، وأساس التجويد في جميع الفنون هو التهيؤ والاستعداد لإنضاج الصور الشعرية والملامح الفنية.

المدائح النبوية في الأدب العربي · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المدائح النبوية في الأدب العربيص ٢٥