تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن الحماسة التي عدمت مكانها في مجال التصوير انتقلت إلى الخطب والرسائل والقصائد، ومن ملاحظات المسيو بلانشو

Blanchot

في كتاب

Les Elapes de la Peinture

أن الحسين عند المسلمين يذكر بأدونيس عند اليونان، وتتلخص هذه القصة في أن أفروديت إلهة الجمال كان لها ابن وسيم الطلعة نضير الشباب اسمه أدونيس، فخرج يوما يتصيد فهاجمه خنزير بري فقتله، ونبتت من دمه شقائق النعمان، ثم مضى اليونان يحيون ذكراه في كل ربيع، فيبكون ويندبون، وأمامهم تابوت يمثل نعش أدونيس.

1

وكذلك فعل المسلمون في ذكرى الحسين، فكانوا يحيون ذكراه يوم عاشوراء حتى لنجد صاحب كتاب النجوم الزاهرة يقول في أخبار سنة ثمان وتسعين وثلثمائة:

في يوم عاشوراء عمل أهل الكرخ ما جرت به العادة من النوح وغيره، واتفق يوم عاشوراء يوم المهرجان، فأخره عميد الجيوش إلى اليوم الثاني مراعاة للرافضة. هذا ما كان ببغداد، فأما مصر فإنه كان يفعل بها في يوم عاشوراء من النوح والبكاء والصراخ وتعليق المسوح أضعاف ذلك.

وقد كانت عادة النوح على الحسين في يوم عاشوراء تجري في القاهرة إلى زمن قريب، وكنت أسمع بأخبار ذلك وأنا طالب في الأزهر فلا أصدق؛ لأني كنت أقضي يوم عاشوراء بين أهلي في الريف، فبقيت في القاهرة عمدا في أحد الأعوام، ورأيت الموكب بعيني، وكان الشيعة يطوفون حول مسجد الحسين رضي الله عنه وأجسامهم مخضبة بالدماء، وقد اختفى هذا المنظر منذ غلبت المدنية الحديثة، ولكني شهدت منذ أعوام قلائل حفلة في حي الحمزاوي، فرأيت الناس يبكون ويصرخون وهم يسمعون سيرة الحسين في ليلة عاشوراء. (3)

وقد أضيفت الصلاة على علي وابنيه الحسن والحسين إلى الصلاة على رسول الله في طائفة من الخطب المنبرية؛ فقد خطب أبو المنيع قرواش بن المقلد خطبة الجمعة بالقاهرة رابع المحرم سنة إحدى وأربعمائة بحضرة الحاكم، فقال:

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ... اصطفاه واختاره لهداية الخلق، وإقامة الحق، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وهدى من الضلالة ... صلى الله عليه وعلى أول مستجيب له علي أمير المؤمنين، وسيد الوصيين.

وقال في الخطبة الثانية بعد حمد الله والثناء على نبيه:

اللهم وصل على وليك الأزهر، وصفيك الأكبر، علي بن أبي طالب أبي الخلفاء الراشدين المهديين، اللهم وصل على السبطين الطاهرين الحسن والحسين.

وحدثني السيد فوزان السابق وكيل حكومة الحجاز بالقاهرة أنه وجد في أحد مساجد المغرب وثيقة زواج ذكرت فيها الصلاة على الحسن والحسين، وأنه رشا خازن تلك الوثيقة وأخذها منه. جرى هذا الحديث منذ ثلاثة عشر عاما بمنزله في عين شمس وبحضرة المرحوم الشيخ عبد الباقي سرور نعيم، وقد مازحته يومئذ فقلت: أترى الوهابيين يجيزون الرشوة؟ (4)

ولو مضينا إلى المكاتب المبثوثة في حي الأزهر واشترينا طائفة من الخطب المنبرية لرأينا في أكثرها خطبة ثابتة ليوم عاشوراء، ورأينا مؤلفي تلك الخطب يزعمون أن النبي

صلى الله عليه وسلم

أوصى بأن يوسع الرجل على أطفاله في يوم عاشوراء، وأكاد أجزم بأن أهل الريف في مصر يحتفلون بذلك اليوم احتفالهم بعيد الأضحى من حيث التوسع في المطاعم. وفي مصر نوع من الحلوى اسمه «عاشوراء» يؤكل في ذلك اليوم، ويتخيره ناس للفطور في رمضان حتى الأرمن واليونان يقدمونه لزبائنهم في القهوات! (5)

وسنرى كيف يكون مدح أهل البيت مما يتبارى فيه الكتاب والشعراء، وسنرى كيف يحرص الشريف الرضي على إحياء يوم عاشوراء من كل عام بقصيدة يبكي فيها الحسين.

2

وسنرى طوائف من المآسي تقع لبعض العلماء بسبب التعصب للحسن والحسين، فقد حدثنا ياقوت

3

أن ابن السكيت كان خرج إلى سر من رأى فصيره عبد الله بن يحيى بن خاقان إلى المتوكل، فضم إليه ولده يؤدبهم، وأسنى له الرزق، ثم دعاه إلى منادمته، فنهاه عبد الله بن عبد العزيز عن ذلك، فظن أنه حسده، وأجاب إلى ما دعي إليه. فبينما هو مع المتوكل يوما جاء المعتز والمؤيد، فقال له المتوكل: يا يعقوب، أيما أحب إليك: ابناي هذان أم الحسن والحسين؟ فذكر الحسن والحسين رضي الله عنهما بما هما أهله، وسكت عن ابنيه، وقيل إنه قال له: إن قنبر خادم علي أحب إلي من ابنيك. فأمر المتوكل الأتراك فسلوا لسانه، وداسوا بطنه، وحمل إلى بيته، فعاش يوما وبعض آخر ومات، ووجه المتوكل من الغد عشرة آلاف درهم ديته إلى أهله، ولما بلغ عبد الله بن عبد العزيز الذي نهاه عن المنادمة خبر قتله أنشد:

المدائح النبوية في الأدب العربي · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المدائح النبوية في الأدب العربيص ١٥