وإليك طائفة أخرى في الصلوات:
صلى الله على محمد خير من افتتحت بذكره الدعوات، واستنجحت بالصلاة عليه الطلبات - صلى الله على محمد خير نبي مبعوث، وأفضل وارث وموروث - صلى الله على كاشف الغمة عن الأمة، الناطق فيهم بالحكمة، الصادع بالحق، الداعي إلى الصدق - صلى الله على بشير الرحمة والثواب، ونذير السطوة والعقاب: محمد الذي أدى الأمانة مخلصا، وصدع بالرسالة مبلغا ملخصا - صلى الله على أتم بريته خيرا وفضلا، وأطيبهم فرعا وأصلا، وأكرمهم عودا ونجرا، وأعلاهم منصبا وفخرا.
وبعد هذين اللونين من مدح الرسول والصلاة عليه نقل الثعالبي فقرات في الثناء على آل البيت، وهذا دليل آخر على الجمع بين مدح النبي ومدح عترته، وأغلب الظن أن هذه الطريقة كانت مما سن الشيعة في مختلف الأمصار الإسلامية، وسنرى كيف يعود المادحون فيفردون النبي
صلى الله عليه وسلم
بالثناء حين يسلمون من النزعات الحزبية، والتشيع تحزب، وإن غلب على كثير من أهله صدق اليقين. (14)
هذا وقد رأى القارئ أن أقدم قصيدة قيلت في مدح الرسول
صلى الله عليه وسلم
بدئت بالنسيب، وسيرى ذلك سنة في أكثر المدائح النبوية، فلنقيد هنا أنهم نصوا على «أن الغزل الذي يصدر به المديح النبوي يتعين على الناظم أن يحتشم فيه ويتأدب ويتضاءل، ويتشبب مطربا بذكر سلع ورامة وسفح العقيق والعذيب والغوير ولعلع وأكناف حاجر، ويطرح ذكر محاسن المرد والتغزل في ثقل الردف، ودقة الخصر، وبياض الساق، وحمرة الخد وخضرة العذار، وما أشبه ذلك.»
97
وهذا الأدب يلحظ أيضا في مدح أهل البيت، وقد عاب ابن حجة على السري الرفاء أن يتغزل في صدر قصيدة مدح بها الفاطميين وجدهم الرسول
صلى الله عليه وسلم
بمثل هذا التشبيب:
نطوي الليالي علما أن ستطوينا
فشعشعيها بماء المزن واسقينا
98
وتوجي بكئوس الراح راحتنا
فإنما خلقت للراح أيدينا
قامت تهز قواما ناعما سرقت
شمائل البان من أعطافه اللينا
تدير خمرا تلقاها المزاج كما
ألقيت فوق جني الورد نسرينا
فلست أدري أتسقينا وقد نفحت
روائح المسك منها أم تحيينا
والمواطن التي أشار إليها ابن حجة مواطن عربية متصلة من قرب أو من بعد بمدينة الرسول
صلى الله عليه وسلم ، والقول بالوقوف عندها في التغزل فيه تعسف، فمن حق الشاعر إن تغزل أن يصدق، وقد حن البوصيري مثلا إلى أحبابه بذي سلم وكان أولى لو تشوق إلى أحبابه في بلبيس أو فاقوس، وعذر ابن حجة أن مثل ذلك النسيب هو في الأغلب تمهيد للمديح، والكلام عن تلك المواطن بالذات يقع في المدائح النبوية وكأنه براعة استهلال.
الفصل الثاني
| مدح أهل البيت
نشأة العطف على أهل البيت - مقتل الحسين - النوح في يوم عاشوراء - الصلاة على الحسن والحسين في بعض الخطب المنبرية - مصرع ابن السكيت - دسائس الأمويين ضد الحسن بن علي - المبالغة في بكاء الحسين - أشياع علي في حضرة معاوية وغيره من الخلفاء - مدح شعراء الفاطميين لأهل البيت ليس من التصوف. *** (1)
ولد العطف على أهل البيت منذ اليوم الذي خذل فيه علي، وكان يرى نفسه صاحب الحق في الخلافة الإسلامية، وبلغ العطف أشده يوم قتل، وأتيحت بقتله الفرصة لقيام الخلافة الأموية، ثم تأصلت جذور ذلك العطف في أفئدة المسلمين بعد قتل الحسين رضي الله عنه وما تلاه من أحزان أهل البيت.
والواقع أن دماء أهل البيت كانت هزت قلوب المسلمين، ويكفي أن نتصور ما حدث به الفيروزابادي في مادة «سور» من القاموس المحيط؛ إذ قال:
وسورين: نهر بالري وأهلها يتطيرون منه؛ لأن السيف الذي قتل به يحيى بن زيد بن علي بن الحسين غسل فيه.
والتطير من نهر غسل فيه سيف قتل به رجل من أهل البيت يمثل أقصى معاني التصوف في حب أسباط الرسول. (2)
ومقتل الحسين خاصة من الحوادث التي شغلت خواطر المسلمين أجيالا طوالا، ولو كان التصوير من الفنون التي شجعها الإسلام لملأت صورة الحسين أقطار الأرض، كالذي وقع في صورة المسيح التي تزدان بها الكنائس الصغيرة والكبيرة والمنازل في مختلف البقاع النصرانية.