ونشوة وضاح الأسارير مستغن
لقد كان هذا والشباب مشفع
لدى البيض والأيام غافلة عني
ألا رب ليل بت فيه منعما
بلينة الأطراف ساجية الجفن
تدار على الراح من لحظاتها
فسكر بلا خمر وخمر بلا دن
لعمري لقد أقصرت عن عبث الصبا
وودعت أيامي بمنعطف الحزن
وما كان بعدي - يعلم الله - عن قلى
ولكنها الأيام تقصي ولا تدني
بكيت على صفو الشباب لأنني
قضيت شبابي في مكافحة الحزن
ومالأت أهل العصر حتى بلوتهم
فلم ألق من حر ولم أرض عن خدن
داو همك بالبر
شكا ما به والهم يرسل دمعه
أفانين شتى من عقيق ومن در
فقلت له أسعف فقيرا وداوه
عسى يكشف الرحمن ما بك من ضر
| في موقف التوديع
لم أجد فيما أعرف من فلسفة اللغة أصدق من كلمة «وداع»؛ فإنها مفترقة الحروف إذ كانت تؤذن بالفراق:
ومهجتي ساعة توديعه
تفرقت مثل حروف الوداع
فإن أردتم جمع تفريقها
فذاك موقوف على الاجتماع
الوداع، ما هذا الذي أجد عند كتابة هذه الكلمة؟ ما لي أغص بريقي حين أراها مسطورة في كتاب؟ أتراها قبست من قلوب المودعين فهي جمرة تلتهب ونار تشتعل؟ أم تراها أخذت من زفراتهم المتقطعة، فهي تقطع القلوب، وتفتت الأكباد؟ وما لي أراها محزنة مبكية؟ أتراها عين ما سمي بها، ونفس وما وضعت له؟ أم هي مقلوبة عن «أوعد» ففيها الإرهاب والتخويف؟
أما - والله - إنه ليخيل إلي أن واوها أخذت من الوجد، ودالها من الوعد، وألفها من الدار، وعينها من الدمع، فكان أولها لهيبا، وآخرها نحيبا، ثم كان افتراق حروفها نذير الفراق، فأخلف الوعد وبعدت الدار.
وكنا جميعا قبل أن تظهر النوى
بأنعم حالي غبطة وسرور
فما برح الواشون حتى بدت لنا
بطون الهوى مقلوبة لظهور
الوداع؟! يا عجبا! وهل أبقت مني مواقفه المشجيات، ومشاهده المبكيات، ما أقدر به على استحضارها وتصويرها، اللهم إلا ما أعرف من نومي المطرود، وهمي الممدود، وذلي الموجود، وعزمي المفقود، ودمعي المسكوب، وقلبي المحروب، وصبري المغلوب، ثم ما أغص به من شماتة العذال، وما أشجى له من رحمة الأحباب؟
فلرحمة المتوجعين حزازة
في النفس مثل شماتة الأعداء
وما أعاني من حسرة في صباحي، ولوعة في مسائي، حتى عدت أضنى من جفن الحبيب، وأقل من نوم الرقيب.
فيا فوز لو أبصرتني ما عرفتني
لطول نحولي بعدكم وشحوبي
الوداع، لعلي ما رأيت نعمة في نقمة، ومنحة في محنة، أو بؤسا في نعيم، وروحا في جحيم، إلا في موقف التوديع، ومشهد التشييع. فلو رأيتني حينذاك لرأيت يسراي على قلبي مخافة أن ينشق الصدر عنه، فإذا أنا صريع، ويمناي تتعرف معالم الترف ومعاهد النعيم، من حبيبي الراحل وأنيسي الظاعن، فإذا رأيت ثم رأيت وحشة وأنسا، ونعمة وبؤسا، ورأيت عينا لم تشغلها الدموع عن النظر، ولا أغناها النظر عن الدموع، فهي ناعمة بائسة، وآملة يائسة، وضاحكة باكية، وطائعة عاصية.
حجبوها حتى بدت لفراق
كان داء لعاشق ودواء
أضحك البين يوم ذاك وأبكى
كل ذي صبوة وسر وساء
فجعلنا الوداع فيه سلاما
وجعلنا الفراق فيه لقاء
الوداع، إنه كالعشق، يجعل الجبان شجاعا، والبخيل سخيا، فقد كنت أجبن عن لقاء من أهوى، فجرؤت يوم البين على سلامه، وحديثه وضمه وعناقه، وكان بخيلا بملاطفتي ومجاملتي، فسخا يوم ذاك، وحياني وفداني.
لم أنس إذ ودعته والتقى
ذا البدن الناعم والناحل
كأنما جسمي على جسمه
غصنان ذا غض وذا ذابل
يا رب ما أطيب ضمي له
إلي لولا أنه راحل
لقد كنت في شك من حبه إياي، ورفقه بي، وعطفه علي، فكنت أغالب الدمع، وأصانع الحزن، أما اليوم، فقد عرفت مكانتي عنده، ومنزلتي لديه، فلينزل الدمع غير مدافع، وليغلب الحزن غير منازع.
ووالله ما أدري أيغلبني الهوى
إذا جد جد البين أم أنا غالبه
فإن أستطع أغلب وإن يغلب الهوى
فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه
| بعض الناس
أديب ملك الآداب حتى
لتنسى حين تذكره الوليدا
تخال نثيره درا نثيرا