وما كنت لأوافق الغزالي على ذلك، لأنه يجب إقصاء فكرة الموت عن الأحياء فإن التفكير في الموت مدعاة إلى الزهادة والجمود وهو كذلك نقص في العزائم، وخمود في القرائح.
وهناك سبل أخرى غير الموت للحض على الطيبات، فلماذا لا نزين الخير للناس، ببيان ما يفعل الخير في رفعة الأقدار، وسمو النفوس؟
وقد فصل الغزالي آداب المرء نحو نفسه في أكثر كتبه في الأخلاق. ولا عيب عليه غير الإفراط في تحقير الدنيا، وهو عيب فظيع، فإن الدنيا أجل وأعظم مما يتصور هو وأمثاله ممن يرون الموت من جملة الأرزاق!
وهل كان الله عابثا يوم خلق هذه الدنيا الجميلة، التي رميتم عشاقها بالإثم والفسوق؟ (2) واجب المرء نحو إخوانه في الدين
وضع الغزالي عدة آداب للرجل مع أخيه في الدين، بعضها خاص بكيفية المعاملة، والآخر خاص بتنقية النفس من الضغائن وجزء منها يتعلق بتربية المرء على كف الأذى وإسداء المعروف.
ويخطر بالبال هذا السؤال: ألا يرى الغزالي وجودا لغير المسلم؟ وإلا فما رأيه في معاملة من ليسوا بمسلمين؟
وفي جواب هذا السؤال نذكر ما جاء في إحدى فتاويه
1
من أن الذمي كالمسلم فيما يرجع إلى الإيذاء. لأن الشرع عصم دمهم وأموالهم. فيفهم من هذا أن الذمي والمسلم يعاملان معاملة تكاد تكون واحدة، وإن لم ينص على ذلك في الإحياء.
وإلى القارئ خلاصة ما على المسلم لأخيه من الواجبات: (1)
أن لا يؤذي أحدا منهم بفعل أو قول. (2)
أن يتواضع لكل منهم، ولا يتكبر عليه. (3)
أن لا يزيد في الهجر لمن يعرفه على ثلاثة أيام، مهما غضب عليه. (4)
أن يحسن إلى كل من قدر على الإحسان إليه منهم، بلا تمييز. (5)
أن لا يدخل على أحد منهم إلا بإذنه، بل يستأذن ثلاثا فإن لم يؤذن له انصرف. (6)
أن يخالق الجميع بخلق حسن، ويعامل كل امرئ بحسب طريقته، فإنه إن أراد لقاء الجاهل بالعلم، والأمي بالفقه، والعيي بالبيان، آذى وتأذى. (7)
أن يوقر المشايخ، ويرحم الصبيان. (8)
أن يكون مع الكافة مستبشرا طلق الوجه رقيقا. (9)
أن لا يعد مسلما بوعد إلا ويفي به. (10)
أن ينصف الناس من نفسه، فلا يعاملهم إلا كما يحب أن يعاملوه. (11)
أن يزيد في توقير من تدل هيئته وثيابه على علو منزلته. (12)
أن يصلح ذات البين مهما وجد إلى ذلك سبيلا. (13)
أن يستر عورات المسلمين كلهم. وقد استشهد الغزالي بهذا الحديث البديع: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه! لا تغتابوا الناس ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو كان في جوف بيته». (14)
أن يشفع لكل من له حاجة من المسلمين إلى من له عنده منزلة، ويسعى في قضاء حاجته بما يقدر. (15)
أن يصون عرض أخيه المسلم، ونفسه، وماله، عن ظلم غيره، مهما قدر. ويرد عنه، ويناضل دونه، وينصره، قياما بأخوة الإسلام. (16)
أن يتقي مواضع التهم، صيانة لقلوب الناس عن سوء الظن ولألسنتهم عن الغيبة. (17)
أن يجامل أخاه ويواسيه إذا بلي بشر. (18)
أن يجتنب مخالطة الأغنياء، ويختلط بالفقراء والمساكين.
ويرى القارئ في هذه الحقوق شيئا من التكرار. وهذا أيضا يمثل وجهة الغزالي في الأخلاق: فهو كثير الحذر، شديد الحيطة، ولا يزال بالمعنى يردده في كتبه، بل في الكتاب الواحد حتى يرسخ في نفس المستفيد. (3) حقوق الجوار
ويرى الغزالي أن الجوار يقتضي حقا وراء ما تقتضيه أخوة الإسلام، فيستحق الجار المسلم، ما يستحقه المسلم وزيادة، ويرى قوله عليه السلام: «الجيران ثلاثة: جار له حق واحد، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق؛ فالجار الذي له ثلاثة حقوق الجار المسلم ذو الرحم: فله حق الجوار، وحق الإسلام، وحق الرحم. وأما الذي له حقان فالجار المسلم: له حق الجوار، وحق الإسلام. وأما الجار الذي له حق واحد فالجار المشرك».