ونضيف إلى ما سلف من رأيه في الموسيقى، أنه عد بيع الملاهي من المنكرات التي يجب كسرها، حين تكلم عن منكرات الأسواق، وعد من منكرات الضيافة سماع الأوتار وسماع القيان، وعد إعطاء المال للمطرب إسرافا يجب على المحتسب إنكاره، ولم يعين مهنة المطرب، فصلح لأن يطلق على المغني والموسيقار. ونص في ص327 ج3 إحياء على أن أصوات المزامير والأوتار إذا ارتفعت في دار بحيث جاوزت الحيطان، فلمن سمعها دخول الدار وكسر الملاهي، ونص كذلك على أن للمرء الحق في أن يكسر العود إذا رأى شخصا يحمله.
ومما سلف نعلم أنه لا يحرم الموسيقى مرة واحدة، ولكننا نعرف أنه لا يقيم لها وزنا باعتبار أنها فن جميل، فمن الواضح أن لكل فن سيئات وحسنات، وأن السيئات لا تقل قيمة في نظر الفنان عن الحسنات، إذ كان جمال الفنون يرجع أكثره إلى ما تحدث في عشاقها من الجرأة على المألوف، وهو ما يخافه الغزالي ويتوقاه.
وهذا الذي يوجب كسر العود لا يبيح فيما نظن أن تبنى دار للموسيقى، وأن يختار للتعلم فيها حسان الأصوات، وصباح الوجوه!
ولا ننسى أنه لم يحرم الأوتار والمزامير إلا لأنها تذكر بمجالس الخمر، فلنذكر أنه يحرم من أجل الخمر هذه اللذة الروحية البديعة، فهي عنده «أم الخبائث»، وأصل المنكرات.
الغناء
لم يفرد الغزالي بابا للموسيقى ولا للغناء، وإنما نأخذ رأيه في هذين الفنين مما جاء في كتاب السماع والوجد، وهو الكتاب الثامن من ربع العادات من كتاب الإحياء.
وأول ما يلفت النظر إلى رأيه في الغناء، موافقته للشافعي في أن الرجل الذي يتخذ الغناء صناعة لا تجوز شهادته، لأن الغناء فيما يرون من اللهو المكروه، الذي يشبه الباطل، ومن اتخذه صناعة كان منسوبا إلى السفاهة، وسقوط المروءة!
ومتى كان الغزالي يرى أن محترف الغناء مردود الشهادة، فإنه لا يرى للغناء قيمة، وما ظنك بفن يهبط بصاحبه إلى الحضيض، ويسقط عدالته بين الناس.
ونحن متى ذكرنا كلمة فن، فإنا نذكر بجانبها ما يجب على الأفراد والحكومات من تشجيعه، لأن الفن ليس ضربا من اللهو المكروه، وإنما هو لهو مفروض، تحتاجه الأروح والأجسام، فيما تحتاجه من صنوف الغذاء، وليس محترف الغناء هو المردود الشهادة فقط فيما يرى الغزالي. بل المغرم بالسماع والمفرط فيه هو أيضا سفيه، ترد شهادته، لأن المواظبة على اللهو جناية!
والفن - كما تعلم - لا حياة له إلا بوجود الهواة، فلن يحسن الغناء إلا إذا وجد هواة الإنشاد والسماع، ومتى كان الإكثار من الإنشاد، والإفراط في السماع جناية، وكان من واجب كل فرد أن يحارب هذه الجناية ما استطاع، فقد أصبح ما نسميه فن الغناء عرضة للانقراض، ولا عبرة بما يقوله الغزالي من إباحته إذا لم يوجد موجب التحريم، فحسب الفن ضياعا أن تقول إنه مباح.
غناء المرأة والأمرد الجميل
ولا يجيز الغزالي أن يسمع الغناء من امرأة لا يحل النظر إليها، وتخشى الفتنة من سماعها، وفي معناها الصبي الأمرد الذي تخشى فتنته.
وقد توقع الغزالي أن يسأل سائل: هل ذلك حرام في كل حال، حسما للباب، أو لا يحرم إلا حيث تخاف الفتنة في حق من يخاف العنت؟ وأجاب بأن هذه المسألة يتجاذبها أصلان أحدهما أن الخلوة بالأجنبية، والنظر إلى وجهها حرام، سواء خيفت الفتنة أو لم تخف، لأنها مظنة الفتنة على الجملة. والثاني أن النظر إلى الصبيان مباح ما لم تخف الفتنة، فلا يلحق الصبيان بالنساء في عموم الحسم، بل يتبع فيه الحال، وصوت المرأة دائر بين هذين الأصلين، فإن قسمناه على النظر إليها وجب حسم الباب، وهو قياس قريب، ولكن بينهما فرق، إذ الشهوة تدعو إلى النظر في أول هيجانها، ولا تدعو إلى سماع الصوت، وليس تحريك النظر لشهوة الممارسة كتحريك السماع، بل هو أشد، وصوت المرأة في غير الغناء ليس بعورة، ولكن للغناء مزيد أثر في تحريك الشهوة، فقياس هذا على النظر إلى الصبيان أولى لأنهم لم يؤمروا بالاحتجاب، كما لم تؤمر النساء بستر الأصوات، فينبغي أن يتبع مثار الفتن ويقصر التحريم عليه.