ويحسن أن نذكر ما لاحظناه على الغزالي حين تكلم عن التشريح: فقد قرر أنه يسير بفريق من العلماء إلى أن النفس تموت؛ فإنا سألناه: هل يقضي ذلك بتحريم التشريح؟ وبالطبع ليس عند الغزالي جواب على هذا السؤال!
وكذلك نسأله الآن: يجوز أن يحب الشخص الجميل، ولكنا لاحظنا أن مثل هذا الحب قد يجر إلى الفسوق. فهل يحرم لذلك حب كل شخص جميل؟ وليس للغزالي أيضا على هذا السؤال جواب!
وإنما قدمنا هذه الكلمة أمام رأيه عن الفنون الجميلة، ليعرف القارئ: أنه لم يذكر أصلا من أصول الأخلاق يبرر رأيه في الفنون فقد أتى عليها جميعا بالنقد والتجريح، وإن لم ينكر «أن لله سرا في مناسبة النغمات الموزونة للأرواح» وأحسب أنه لو تروى قليلا لعرف أن لله سرا فيما تحدث الفنون، من أنواع الفنون.
الشعر
رأي الغزالي في الشعر رأي عجيب، فهو يرى أن مقصوده المدح والذم والتشبيب. وعلى فرض أن الشعر لا يقصد منه غير ذلك فهو مقصود حميد، وإن قبح في بعض الأحوال.
وقد رأى الغزالي نفسه أمام أمر واقع: وهو أن الشعر أنشد بين يدي رسول الله، ولكنه اعتذر عن هذا بأن المبالغات التي وردت في ذلك الشعر لم يقصد بها الكذب، وإنما هي من صنعة الشعر. فلا يقصد بها اعتقاد الصورة التي وضعها الشعراء.
ولا أدل على هوان الشعر في نظر الغزالي من قوله: «وأما الشعر فكلام حسنه حسن، وقبيحه قبيح، إلا أن التجرد له مذموم.» ص131 ج3.
والتجرد للشعر هو صنعة الشاعر للفنان، الذي يريد أن يمثل عصره وقطره، في صحيفة التاريخ. ومتى كان من المذموم أن يتجرد المرء للشعر، فمعنى ذلك أن الشعر لا يصح أن تخصص له حياة فرد من الأفراد. وإن جاز للناس أن ينشدوا أو ينشؤوا ما حسن منه، لأنه ككل كلام: حسنه حسن، وقبيحه قبيح.
ولا يفوتنا أن نلفت النظر إلى أن الأحاديث التي رواها الغزالي في ذم الشعر اقتضتها ظروف خاصة، بدليل ما روى الغزالي نفسه ، مما يناقضها كل المناقضة، فكان عليه أن يراعي تلك الظروف.
الموسيقى
تكلم الغزالي في الموسيقى باحتياط يدل على مبلغ رأيه في هذا الفن الجميل، وهو يقسم الأصوات الموزونة باعتبار مخارجها إلى ثلاثة: ما يخرج من جماد: كصوت المزامير، والأوتار، وضرب القضيب، والطبل وغيره. وما يخرج من حنجرة حيوان، وذلك الحيوان إما إنسان، أو غيره: كصوت العنادل، والقمارى، وذوات السجع من الطيور. ثم يحكم بأن سماع هذه الأصوات يستحيل أن يحرم لكونها طيبة أو موزونة، إذ لا ذاهب إلى تحريم صوت العندليب، وسائر الطيور، ولا فرق بين حنجرة وحنجرة، ولا بين جماد وحيوان، فينبغي أن يقاس على صوت العندليب الأصوات الخارجة من سائر الأجسام باختيار الآدمي كالذي يخرج من حلقه، أو من القضيب والطبل والدف.
إلى هنا لا تجد شيئا يغض من الموسيقى باعتبار أنها فن جميل، ولكنك تجده يقول بعد ذلك: «ولا يستثنى من هذا إلا الملاهي والأوتار والمزامير التي ورد الشرع بالمنع منها، لا للذتها، إذ لو كان للذة لقيس عليها كل ما يلتذ به الإنسان، وإنما حرمت لعلل ثلاث: إحداها أنها تدعو إلى شرب الخمر، فإن اللذة الحاصلة بها إنما تتم بالخمر، ولمثل هذه العلة حرم قليل الخمر. الثانية: أنها في حق قريب العهد بشرب الخمر تذكر بمجالس الأنس بالشرب، فهي سبب الذكر، والذكر سبب انبعاث الشوق، وانبعاث الشوق إذا قوي فهو سبب الإقدام. والثالثة: الاجتماع عليها، وهو من عادة أهل الفسق.» ونجده بعد هذه الفقرة ينص على تحريم المزمار العراقي، والأوتار كلها، كالعود والصنج والرباب والبربط
1
وكل ما يذكر الخمر، ومجالس الخمر، فأما ما عدا ذلك فهو على الإباحة، قياسا على أصوات الطيور.
وما نريد أن نناقش هذا الرأي، ولا أن نبحث في الأساس الذي وضع عليه، ولكن ننبه على أن فيه دلالة على دقته في وقاية الجبهة الخلقية، وحرصه على أن يظل المرء بعيدا عن مثار الشهوات.