وأشهر دعاة الباطنية في الشرق هو الحسن بن الصباح، الذي رحل إلى مصر، فلقي فيها الخليفة المستنصر، وتلقى بها الدعوة الباطنية، ثم عاد إلى مروة لنصرة هذا المذهب بقلمه وسيفه، فكان أول ما فعله أن استولى على قلعة (الموت) وتحصن بها، ثم ثبت قدمه في الأقطار الفارسية، بحيث كان يحسب له ولأتباعه ألف حساب، ونشبت بينه وبين السلاجقة عدة حروب.
ومن شاء الزيادة على هذا القدر من أمر الباطنية فليرجع إلى كتب التاريخ، ثم ليرجع إلى تفصيل آرائهم إن شاء في كتاب الملل والنحل للشهرستاني، فإن في آرائهم غرائب وأعاجيب، وقد ورد ذكرهم في عدة مواطن من كتب الغزالي، وعلى الأخص كتابه «فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة»، فليعد إليه من أراد أن يرى مناقشته لبعض ما يقولون.
الفصل الثالث
| الحروب الصليبية
1
قد عرفت أن سلطان السلاجقة امتد على بلاد الروم، في قونية واقصرا، وما إليهما من البلاد، وعرفت كيف كان التنافس بين السلجوقيين والفاطميين، فليس من الصعب أن تعرف كيف دعا ملك الروم حملة الصليب من الإفرنج إلى قتال المسلمين، فقد أمن جانب الفواطم لعداوتهم للسلاجقة، وإنها لفرصة سانحة، لا يصح أن يضيعها طلاب الملك، وعشاق الحياة!
لجأ قيصر الروم إلى البابا رئيس النصرانية، يستصرخه لصد أعدائه السلاجقة، فرآها البابا فرصة لبسط نفوذه على ملوك أوروبا وأمرائها، فدعاهم إلى الدفاع عن النصرانية، وإخراج بيت المقدس من أيدي المسلمين.
وأود أن يعرف القارئ أن الساسة يعتمدون دائما على استغلال العواطف، وإخماد عقول الجماهير، ومن هنا لم يجد دعاة الحروب الصليبية بدا من الكذب على الحقيقة والتاريخ، فزعموا أن المسلمين يضطهدون نصارى الشرق، ويسومونهم سوء العذاب، وقد نجحوا في استنفار أوروبا، عامتها وخاصتها، وساقوهم باسم الدين إلى ميدان القتال.
والدين أداة من أدوات الفتح والاستيلاء، في أيدي الشعوب القوية، وغل في أعناق الأمم الضعيفة، والويل كل الويل للمغلوب! فقد ملك المسلمون الأرض باسم الدين، كما ذلوا بعد ذلك باسم الدين، لأن القوي الرشيد يملك بدينه آخرته ودنياه، أما الضعيف المأفون فلا يزال يرتطم في ضعفه الذي يسميه دينا حتى يحيق به الهلاك!
وكذلك زحف شياطين الغرب على الشرق باسم الدين ففعلوا به الأفاعيل، في حين أن المسلمين كانوا يبكون في مساجدهم يوم الجمعة ليوقظوا الهمم الخوامد، والنفوس الرواكد، فما استمع لهم أحد، ولا استجاب لهم مجيب! ولم ذلك؟ ذلك بأن الدين لا يقوم بنفسه، وإنما يقوم به كما قلت: طلاب الملك، وعشاق الحياة! وإلا فحدثني لماذا تغاضى الفاطميون أبناء الرسول، ولم يغضبوا لزحف النصارى على أملاك المسلمين؟
الملك، العظمة، الحياة؛ تلك آمال الأمم، وأماني الشعوب، فإن أدى الدين إلى الملك والعظمة والحياة فهو نعمة من الله، لأن الله بالمؤمنين رءوف رحيم، أما إن نزل بهم إلى الحضيض فهو بدعة ابتدعها الأحبار والرهبان، وأمثال الأحبار والرهبان. ومن كان في ريب مما نقول فليسأل التاريخ.
ثم أخذ الصليبيون في فتح بلدان المسلمين، فاستولوا على كثير من مدن آسيا الصغرى والشام، وكونوا لهم فيها إمارات سميت بالإمارات اللاتينية، نسبة إلى الأجناس التي كان يتألف منها حملة الصليب.
وأول ما أسس من هذه الإمارات إمارة الرها بوادي الفرات سنة 490ه/1097م. ثم أنطاكية سنة 491ه/1098م. ثم فتحوا بيت المقدس. وقتلوا من أهله نحو 7000 مسلم، بعد أن سجل التاريخ من سوء رأي الفواطم ما يمنعنا من ذكره الحياء.
2
أتدري لماذا ذكرت لك هذه الكلمة عن الحروب الصليبية؟ لتعرف أنه بينما كان بطرس الناسك يقضي ليله ونهاره، في إعداد الخطب وتحبير الرسائل، لحث أهل أوروبا على امتلاك أقطار المسلمين، كان الغزالي (حجة الإسلام) غارقا في خلوته، منكبا على أوراقه. لا يعرف ما يجب عليه من الدعوة والجهاد! ويكفي أن نذكر أن الإفرنج قبضوا على أبي القاسم الرملي الحافظ يوم فتح بيت المقدس، ونادوا عليه ليفتدى، فلم يفتده أحد، ثم قتلوه، وقتلوا معه من العلماء عددا لا يحصيه إلا الله، كما ذكر السبكي في طبقاته.