تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما سلاجقة الروم: ملوك قونية واقصرا، فكانوا من بيت قطامش بن إسرائيل بن سلجوق، وقد ابتدأت دولتهم سنة 470ه/1077م. وانتهت سنة 700ه/1300م، فهي أطول دول السلاجقة حياة، إذ مكثت 230 سنة، وقد انقضت على أيدي الأتراك العثمانيين والمغول.

والذي كان يرتبط تاريخه من هذه البيوتات بتاريخ الدولة العباسية لدخول بغداد في حوزتهم السلاجقة العظمى وسلاجقة العراق، الذين كان لهم السلطان على العباسيين من سنة 447 إلى سنة 590، أي 143 سنة.

واستخلف من آل العباس في عهد الدولة السلجوقية تسعة خلفاء، أولهم القائم بأمر الله الذي انتهى في عهده العصر البويهي ، وآخرهم الناصر لدين الله الذي انتهى في عصره ملك السلاجقة.

2

عاصر الغزالي أكثر ملوك الدولة السلجوقية الكبرى، فقد شهد عضد الدين أبي شجاع ألب أرسلان، وجلال الدين أبي الفتح ملكشاه، وناصر الدين محمود، وركن الدين أبي المظفر بركياروق، وركن الدين ملكشاه الثاني، ومحمد بن ملكشاه.

وقد ولد الغزالي في آخر عهد طغرل بك، الذي ملك بغداد، وتقرب من الخليفة حتى تزوج الخليفة بنت أخيه. والذي تطلع إلى أن يتزوج من البيت العباسي. وهو أمر لم تجر به العادة. فأرسل سنة 543 يخطب بنت الخليفة، ثم ظفر بزواجها في حديث طويل.

أما ألب أرسلان فكان واسطة عقد الدولة السلجوقية، وفي عهده أسست المدارس النظامية، صاحبة الفضل على الغزالي، وسنعود إليها بعد قليل. وأما محمد بن ملكشاه فهو الذي وضع له الغزالي كتاب التبر المسبوك في نصيحة الملوك.

هذا ما يهمنا من دولة آل سلجوق، وما نريد أن نزيد.

الفصل الثاني

| الباطنية

في الوقت الذي كان فيه السلاجقة يبسطون سلطانهم على فارس والعراق والجزيرة إلى آخر ما استولت عليه تلك البيوتات التي أجملنا حالها في الفصل الماضي، كان الفاطميون يسيطرون على المغرب، وعلى مصر، ويهمون ببسط سلطاتهم على أقطار المشرق، بعناية الدعاة.

والذي يعنيني الآن هو إجمال دعوة الباطنية، لأن الغزالي شغل بهم، وكتب في الرد عليهم، وإن لم تصلنا كتبه في هذا الباب، وسترى حين نتكلم عن خطته في التأليف كيف اتهم بالميل إليهم، إذ شرح آراءهم عند نقدها بطريقة تقربها من متناول العقول.

وأحب أن يعرف القارئ أن أكثر ما يحتل رءوس المسلمين من الأفكار والعقائد، ليس إلا أثرا للدعوات المتعددة التي قام بها العباسيون في الشرق، والفاطميون في الغرب، و

كل حزب بما لديهم فرحون .

والواقع أن الدعاة كانوا غاية في المكر والدهاء، فقد عرفوا كيف يملئون تلك الرءوس الجوفاء بالخرافات، والوساوس والأضاليل، وهذه القاهرة لا تزال سماء مسكونة بالمعبودات الصغيرة؛ كسيدنا الحسين، والسيدة زينب، والسيدة فاطمة النبوية، ومن إليهم من الأولياء، فيما زعم الفاطميون ومن لف لفهم من علماء الإسلام!

ولولا خوف الإطالة لشرحت للقارئ طرائق الباطنية في نشر الدعوة

Propaganda

فقد كانوا أمهر من الإنكليز والفرنسيين، والأمريكان في العصر الحديث، وكانت جنايتهم شديدة الخطر في مسخ عقول الأمم الإسلامية المسكينة، التي قيدها الجهل، ثم رماها بين أيدي طلاب الملك من العباسيين والفاطميين، فلم يرحمها أولئك ولا هؤلاء.

كان دعاة الباطنية لمكرهم ينتقلون بالطالب من حال إلى حال، فيفهمونه أولا أن الآفة التي نزلت بالأمة فشتتت شملها، وفرقت جمعها، ليس لها من سبب إلا ذهاب الناس عن أئمتهم الذين يعرفون بواطن الشريعة، لأن دين محمد - فيما يزعمون - ليس هو ما يعرفه العامة، بل هو علم خفي غامض، ستره الله في حجبه، وعظمه عن ابتذال أسراره، فلا يطيق حمله، ولا يقوم بأعبائه إلا ملك مقرب، أو نبي مرسل، أو عبد مؤمن امتحن قلبه بالتقوى. ثم يتوغلون مع الطالب مجاهل من ظلمات الآراء والأهواء، بعضها خاص بتقديس أئمتهم، ورفعهم إلى الاختصاص بفهم أسرار التشريع، وبعضها خاص بتنظيم الدعوة ونشرها بين الناس.

الأخلاق عند الغزالي · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأخلاق عند الغزاليص ٦